نبني سدّاً أمام سيلان العالم.

يمثل مفهوم الحداثة السائلة الذي صاغه زيجمونت باومان تفسيرًا للتحولات العميقة التي طالت بنية المجتمعات المعاصرة، حيث يواجه الإنسان تدفقات مستمرة تذيب الحدود المستقرة للقيم والروابط. وتشكل عالماً متداخلاً تذوب فيه حدود الهويات، وبالتالي تخسر الثقافة ملامحها الخاصة من هذا الذوبان. كما يجد الفرد نفسه منساقاً في تيار عارم يفرض عليه حركة دائمة للبقاء ضمن المجموعة الكبرى وليس ضمن دائرته الخاصة، ويفقد قدرته على التحكم في مساراته أو تحديد غاياته بوعي مستقل أو بمراعاة لمرجعياته الثقافية والاجتماعية، إن هذا الانجراف يدفعنا نحو البحث عن وسائل لاستعادة التوازن، وهو ما يفسر ظهور حركات سياسية واجتماعية تسعى لإقامة حواجز تنظيمية أمام عولمة كاسحة، ولعل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يمثل أحد أبرز ظاهرة سياسية معاصرة لهذا التوجه؛ إذ عكس رغبة في بناء سد سيادي أمام هذه التدفقات التي نجحت بشكل ما في إذابة هويتها الوطنية، لكنها ظاهرة تستحق الدراسة لكيفية التحرّك ضد هذه السيولة المطلقة كما عبر عنها باومان. هذا النزوع إلى الانغلاق المعاكس للعولمة والسيلان، بدأ يظهر على مستوى المجتمعات وخارج القرار السياسي، حيث نشهد اليوم وعبر عدة دعوات مبررة منطقيًا وعاطفيًا لاستعادة الاعتزاز بالصبغة المحلية. فأصبح من المقبول أن يُعد التمسك بالفلكلور الشعبي، أو ارتداء الأزياء التقليدية، أو ممارسة العادات المتوارثة، نوعاً من الظهور الذي لا يثير الخجل، فإبراز هذه التفاصيل الثقافية في المحافل الدولية وفي الحياة اليومية يعبر عن محاولة لمراجعة حالة السيلان التي سعت لجعل العالم نموذجًا استهلاكيًا واحدًا، ولإثبات عراقة مجتمع وأمّة، وهو ما ينقص الدول الطارئة على التاريخ التي تستميت في صنع هُوية لها واختلاق تراثٍ يشفع بتجذّرها بين الأمم. لنسمّي هذه السدود: سدودًا ثقافية، تعيد المجتمعات إلى أرضها الصلبة وتعيدها إلى أصالتها التي تعرضت لتسييل عبر عقود من الزمن، وتعيد لأفرادها الشعور بالانتماء بعد فقدانه في وسائط رقمية وتقنية لا تعرف الحدود ولا الاتجاهات التي تريد الوصول إليها، وتكمن أهمية إقامة هذه السدود، وإن كان في وضع متعجل ومغامر، أن يمنحنا هدنة من الوقت، لمراجعة المكتسبات، والوقوف على الخسائر التي تحدث ببطء بحيث لا يتنبّه إليها جيل بأكمله، ولا يُدرك قيمتها الجيل الذي يليه. الذكاء الاصطناعي نتيجة طبيعية للتطور التقني، ولكنه أيضًا قوة دفع إضافية تزيد من سرعة الحالة السائلة للعالم المعاصر، ومهما قيل عن ضوابط أخلاقية أو أطر تنظيمية لاستخدامه، سيتم توظيفه بالاستخدام السلبي لمدة لا نعلمها من الزمن، وبناء سدّ ثقافي تجاهه سيجعل منّا مستخدمين متحكمين بشكل واعٍ لقدراته، لكن الذكاء الاصطناعي أخطر مما مرّ سابقًا على البشرية، حسب النتائج المتوقعة والتسارع الكبير في قدراته، لذلك ينبغي العمل على أساس المجتمع لنقل التخوّف من التقنية إلى خانة المكاسب، وليس لعدّ الخسارات، هنا تبرز العملية التعليمية كأداة إستراتيجية تعمل على صياغة عقول قادرة على الصمود أمام تشتت المعلومات. التعليم المنضبط هو أحد السدود التي ستحمي الأجيال من الانجراف وراء الحلول الجاهزة، وهو المساحة التي يتم فيها تدريب الذهن على التوقف والتحليل المنهجي بصبر وتأنٍ، بعيداً عن ضغوط السرعة التي يفرضها الواقع الرقمي. لابد من معالجة النسيان الاختياري الذي أصيبت المجتمعات به جرّاء وفرة المصادر، وسهولة البحث، وسرعة التصفح والتلقّي للمعلومات، وذلك يكون بالتركيز على التعليم الممنهج وفق آلية تساعد على بناء المنطق الشخصي، فيتعلم الطالب كيف يحل المسائل ويعيد صياغة الأفكار وينتج الأسئلة، مسائل الرياضيات تعلّم الطالب الإجراء الصحيح والتسلسل المنطقي حيث لا نتائج جاهزة، وأزعم أن في كل مادة جانبٌ يعلّم الطالب الخطوات المنطقية وليس القفز إلى النتائج الفورية، مثل الذي يحدث أمام محركات البحث وإجابات الذكاء الاصطناعي، إن التوقف بوعيٍ وإدراك.. لإقامة هذه السدود المعرفية والثقافية والسياسية يساعدنا على حداثة دائمة تأتي مع سيرورة الحياة، وليست حداثة (مرحلية) وغرضية، يفتعلها قادة يملكون زمام الأمور، ويرغبون في دفع العالم إلى جهة واحدة.. ونموذج واحد.