ما جاء في خبر «محمد علي قدس».

ثمّة كتّاب يكتبون الحكاية، وثمّة من يكتبون الإنسان. ومحمد علي قدس هو ، بلا شك، من أولئك الذين لا يكتفون بسرد ما يحدث، بل ينفذون إلى أعماق النفس الإنسانية، وما يختبئ فيها من وجعٍ وصبرٍ وتأمل، ويمضون أبعد من الحدث نفسه إلى ذلك الأثر الخفي الذي يتركه في الروح. وهنا يكمن الفرق بين كاتب يبدع في سرد الأحداث والوقائع، وكاتب ينجح في ملامسة الجوهر الإنساني الذي تختبئ فيه . وهذه ليست مجرد سمة فنية في كتابة وسرد محمد علي قدس، بل هي صفة لجوهر شخصيته الإنسانية. لذلك لا يمكن اختزال محمد علي قدس في كونه قاصًا، لأن هذا التعريف لا يحيط بجوهره لأنه كاتب إنساني بالدرجة الأولى، يرى في الأدب وسيلة لفهم الإنسان؛ وبعبارة أدق هو إنسان يكتب. فهو لا يكتب ليبهر القراء، ولا يكتب ليبرهن عن فرضيات بعينها، بل يقدم نصوصه كأسئلة وجودية تأملية مفتوحة. وهذا ما يجعل تجربته أقرب إلى ما ذهب إليه تودوروف أن الأدب ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لفهم الإنسان. لذلك فإن ما يجعل محمد علي قدس مختلفاً ليس ما يكتبه ، بل الطريقة التي يرى بها العالم، والطريقة التي يقدم بها الإنسان في نصوصه، حيث أعاد تعريف الإنسان سردياً، ليس بوصفه بطلاً، بل بوصفه كائناُ هشاً، حائراً، يراوح بين الشك واليقين. أي أنه يكتب الإنسان من الداخل، وليس من الخارج. ومن هنا يمكننا مقاربة تجربة محمد علي قدس، لا باعتبارها مجرد إنتاج قصصي، بل باعتبارها ممارسةً سرديةً تصدر عن حساسية إنسانية ورؤية خاصة إلى الوجود، ثم تجد اكتمالها في النص. هذا يحيلنا إلىما قاله موريس بلانشو عن الكتابة ، وأن بعض التجارب الأدبية لا تبدأ من النص، بل تنتهي إليه؛ إذ لا يبدو النص عنده بدايةً للمعنى بقدر ما يبدو خاتمةً لرؤيةٍ إنسانية وثقافية سابقة عليه. ومن هنا لا يكون النص عند محمد علي قدس نقطة البداية، بل لحظة الاكتمال التي تستقر فيها خبرة المثقف والإنسان معًا. ومن هذا المنظور يمكننا القول إن الكتابة عند محمد علي قدس تنتمي إلى ما يسمى بـ “السرد الرؤيوي الإنساني” ، أي السرد الذي يستمد مادته الأساسية من الخبرة الإنسانية الكامنة فيه. وهذا ما يمنح نصوصه بعدًا تأمليًا لا ينفصل عن بعدها الواقعي. ولا تنفصل هذه الرؤية عن سيرة محمد علي قدس الثقافية نفسها؛ فقد ارتبط اسمه مبكرًا بالمشهد القصصي في السعودية، وصدرت له عدة مجموعات قصصية منها ظمأ الجذور، و ما جاء في خبر سالم ؛ ثم تواصل حضوره الفاعل والمسؤول من خلال إسهامه في النادي الأدبي بجدة عضوًا مؤسسًا وأمينًا للسر منذ سبعينات القرن الماضي، ولعقود طويلة، فضلًا عن نشاطه الأوسع في المجالين الثقافي والإعلامي . كل ذلك يدل على أن الكتابة عنده لم تكن عزلة بورجوازية جمالية منغلقة على ذاتها، بل كانت أيضًا صورة من صور الحضور والإقامة الطوعية والتطوعية في الشأن الثقافي العام، أي ممارسة ثقافية متصلة. وكأنه هنا يحقق ما ذهب إليه بييرر بورديو في تصوره للحقل الثقافي، حيث يرى أن الكاتب لا يُفهم من خلال نصه فقط، بل من خلال موقعه وحضوره الفاعل داخل شبكة العلاقات الثقافية التي ينتج ضمنها، وأن الفاعل الثقافي لا يكتفي بإنتاج المعنى، بل يشارك في إعادة إنتاج شروطه. كما أن هذا الإلتصاق بكل ماله صلة بالأدب والثقافة تعكس أخلاقيات محمد علي قدس، وموقفه الإنساني الداعم تجاه المجتمع والعالم ، وإيمانه بفكرة لأدب كممارسة إنسانية، واستشعاره حس المسؤولية تجاه المجتمع ، والدور الذي يجب أن يضطلع به المثقف لخدمة الثقافة ونشر الوعي وقيادة التغيير. وكذلك يعكس وعياً مبكراُ بأهمية الفعل الثقافي على مستوى العمل المؤسسي بالتوازي مع فعل الكتابة وإنتاج النص. لذلك يشعرمن يقرأ سيرة محمد علي قدس انه إزاء كاتب ومثقف استثنائي يسبق حضوره الإنساني في المشهد الثقافي منجزه الكتابي، لأن قيمة المثقف الحق لا تُقاس فقط بما ينتجه من معرفة وإبداع، بل بما يتركه في حضوره من صفاءِ الرؤية، واستقامةِ الموقف ، ونبل الخلق، وهي جميعًا ملامح تضيء شخصية محمد علي قدس وتمنحها معناها الأعمق. وحين نقارب سيرة محمد علي قدس، فإننا لا نقارب إسماً في مدونة السرد السعودي فحسب، بل إنساناً جعل من الأدب مرآةً لوعيه، وصدىً لخبرته، ووعاءً لتأملاته ورؤيته الإنسانية للعالم والحياة. و محمد علي قدس هو من الكتاب الذين لا تقف دلالتهم عند حدود ما كتبوا، لأن في أعماق نصوصهم ما يشي بحضور إنساني أوسع من العبارة ، وأبقى من الحكاية ، وأعمق من الحدث. لذلك لا تتخفى شخصيته بعمقها الإنساني خلف النصوص، بل تطفو على سطح الدلالات، وتصبح هي النبرة الخفية للكتابة.