بمجرد أن انتهيت من قراءة هذا الكتاب الشعري الذي يبدو بخفة عفريت العلبة حين يُمسرح الواقع بين الوهم وضرب الدوبامين السعيد , قررتُ ببهجة داخلية ترجمة بعض قصائد الكتاب التي أقدمها لأول مرة لهذا الكتاب بالعربية . في هذا الديوان الشعري الذي لا تتعدى صفحاته أربع وعشرين صفحة فقط و بتكثيف وجودي وفوتوغرافي موثق أجد رجلاً يعيش على ماهو مدفون في حديقته, يخرج إلى الأشجار كذهابه إلى نفسه في ساعة غير مرتبة في الأرقام ، يمرر يده على الجذع ويقيس الإحتمال بطول الظل ويرى جرح الشجرة إلى جرح الكوكب . رماد والديه كأول شكل للذر والغبار, جثث كائنات تلتصق بعين واحدة ، وفضلات يومية من جمادات حياة البيت , طعام لم يلمس من على الطاولة ، وروث حيوانات حجرية ، وكأن التربة تصبح مثل صندوق أسود يحتفظ بأثر كل من عاش فوقه ويتحول هذا الصندوق إلى رحم يستقبل بذرة ميته ويقيسها كشجرة محتملة , بدت الأصابع التي تغرس البذرة تشبه يداً تصالح الموت بالموت , شاعر يميل إلى نباتات أقل لفت للنظر كعبقرية الإختفاء بالعلن و غير مهتمة بمهرجان الفصول الأربعة المنمق , وبرأيي هو يتعامل معها كجيران قدامى يفتح لهم باباً على حديقة وحيدة , شذرات شاعر وضع ما تبقى من عدمية مخلوقاته في خدمة نبات مقبل من الموت ويجد عزاءً في فكرة أن أجسادهم ستتحول داخل مكعب وحيد مفترض أسمه شجرة بالمقلوب . يقدم جيمس أدريان هاريسون في ديوانه ( الاختلالات الجنوبية : قصائد عن النبات وطائر واحد ) تجربة شعرية تبدو للوهلة الأولى هادئة وبسيطة لكنها تقوم على خلق جديد من مفهوم الإيكولوجيا العلمي الطويل بالطبيعة ، إذ عاش الشاعر حياته بين النباتات الطيور والزواحف ,وعمل في مشاريع لرصد الكائنات البرية في جنوب أفريقيا, هذه الخلفية للشاعر تترك أثرها في القصائد ويحول الحديقة المنزلية إلى فضاء تأملي يختبر من خلاله حدود الإنسان أمام الكائنات الصامتة , تتسرب مفردات عمله اليومي إلى النص لتمنحه كثافة مادية ورؤية بيئية إدراكية عبر أحد عشر نصاً يخلق بها الديوان علاقة حميمة مع النباتات ويجعلها مرآة لأزمات الإنسان الأخلاقية الوجودية , و يتعمق من تقرير علمي عن الحياة البرية إلى سيرة ذاتية مكتوبة من داخل الحديقة ومن خلال ما يمر في تربتها من نمو بالموت وتحول . ساهم الديوان في شعر الإيكولوجيا المعاصر بتقديمه درس في علم الإيكولوجيا الأدبية و مقاربة شعرية دقيقة لعلاقة الإنسان بالنبات في سياق حديقة بضاحية إفريقية، مستفيداً من خبرة الشاعر العلمية ومن ذاكرته العائلية والاجتماعية. النصوص تحول الشجرة والتربة والزهرة إلى شركاء في طرح أسئلة العدالة الكونية والطبقية والحضرية، الحب والموت، فيجد القارئ نفسه أمام مشروع شعري يربط بين الحميمي والكوني وبين اليومي والميتافيزيقي عبر هذه القصائد يبدأ العالم الطبيعي كقوة صامتة تراقب البشر وتشارك في تشكيل مصائرهم، في حين يحاول الإنسان عبر فعل الكتابة والزراعة أن يجد موقعاً أقل أنانية في شبكة الحياة. بعض القصائد اعلن ثورتها من حديقة البيت إلى الكوكب كله كعطب كوني تحت قشرة الأرض حين يبدو ظهر شجرة هرِمة تشابكت أغصانها حتى صارت تتناحر على الضوء , وغصن يخدش غصناً آخر، وفرع يزاحم فرع قريباً منه, هذه الفوضى النباتية تفتح المجال لمقارنة قاسية مع تكاثر البشر على سطح الأرض كأجساد تنتشر فوق قشرة رقيقة حتى تبدو مثل نمو فطري يغطي كل شيء, و توحي بأن صبر الطبيعة محدود وأن لحظة التصحيح قادمة بطريقة ما كما لو أن الكوكب يعدل وضعه بعد أن يرهقه ثقل ساكنيه. لغة الديوان ومكانه في الكتابة الحديثة بدت لغة عربية في روحها حين تُترجم ، لأن أصلها ينهض على جملة واضحة وإيقاع قريب من الكلام اليومي، مع عناية بالصور الحسية الدقيقة . الشاعر يدمج خبرته العلمية في النسيج الشعري من غير جفاف لغوي , وأسماء الطيور والحشرات والبنى الدقيقة للأشجار تدخل القصيدة كما تدخل بداخل لسان الحياة العائلية المتكلمة , الحديقة تتحول إلى معمل صغير يختبر فيه علاقة الإنسان بالكائنات الأخرى ومرآة تعكس خوفه من الفناء ورغبته في التخفف من مركزية الذات. بهذا البناء الشعري يقدم الديوان إسهاما عميقاً في الكتابة التي تُنصت للطبيعة، ويقترح صورة جديدة للشاعر المعاصر وعالم يضع يده في التراب، ويداً أخرى على الورق والروح يبحث في كليهما عن معنى للحياة المشتركة بين الإنسان والكائنات التي تشاركه الهواء والظل والمطر كأنه يتتبع علة خفية تنخر قلب الأرض منذ بدايتها من الجذور الى شكل مورق ثم يلاحق بأداة حديدية ثقوب الحشرات الدقيقة، و يراقب نشارة الخشب الناعمة تتساقط من الشقوق، وينهي عمله جراح يفتح صدر مريض قديم وينهي مشهده , المعرفة العلمية هنا جاءت كاستعراض و عدسة تقرب هذا الموت البطيء وتجعل القارئ يلمسه بعينه من خلال الشجرة المخلوقة من اشياؤه التي رافقت تعلقه الوجودي قبل أن تذبل من الداخل ويحولها الى حدث طارئ . ====== شــــجرة إلى جانبك, تبدو فكرة الكائنات الغريبة خيالات عدم أنتِ تستنشقين ما أزفره وزفيرك الفائض هو هوائي الطارئ وتكبرين كأنكِ خباز يحول عناصر الطبيعية إلى غذاء تقفين وتكبرين تتبدل الأرض تحتكِ والهواء فوقك وأنتِ تبقين, تكبرين غرستك غصناً صغيراً قبل اثني عشر عاماً والآن تعلو فوقي قبة خضراء وجذعك أصبح يخلخل سُمكه عظامي في لهيب يرهقني تقفين بهدوءٍ تقفين ببساطةٍ تقفين كائن بطبيعة مختلة بسكون مقيت وحياة طويلة قوية على شكل الحياة تقفين هذه التقليمات لأوراقك الخضراء أظنها الرحمة أقص شعرك أقلم أظافرك لكنني بلا يقين هيئتكِ صنعت نفسها توافق رغبتي دون أن أميل مع شمس الشمال وريح الجنوب أظنني أحاول خلق حُسنك وأنتِ خاضعة كالمحظيات أغصانك ترقص في الهواء في الضوء قدماك تمسكان بالأرض فكم ستبقين واقفة ؟ تأكلين الوقت بشراهة وبعد سقوطي, ستبقين, تقفين؟ لماذا تكررين خلق نفسك أهي لمحة من تمرد تكبرين ببطء فوق جراحي ثم تمضين إلى النسيان فكيف أعد نفسي أعلى شأناً منكِ؟ يا لعبة الحديقة استقلالك يربكني ألا تشعرين بي هل بإمكانكِ أن لا تعي بوجودي في حين أنكِ في ذهني تتوهجين كالنار الخضراء أنا شبح, ألا تبصرين لا يُرى ولا يشعر روح عابثة في الحديقة تُنزل العواقب كــ (...) نزق يمنح, ويمنع . تطـــــور في هذه الشجر الهرمة تنكشف عيوب الخليقة أغصان تكسر أغصان وغصن يخاصم غصن على نور السماء حتى يذوي أحدهما أو كلاهما, ويسقطان فوضى مبددة إما أن تتركها الطبيعة تمضي أو تتدخلها بفوج من ملائكة الرب ينمو البشر كالعفن على قشرة الأرض الهزيلة يحمل إصرار الطبيعة الأعمى وخطأها فخيرٌ لنا أن نكون (...) حكماء, صُناعاً, خاضعين لأن الاحتمال له أمد والطبيعة تسترد نظامها.