وصية.

قال لي حين حينما خُط لي شاربٌ: لا تكنْ تابعا، أولُ الركبِ كنْ، وإنْ مضيت على منهجٍ‘ فاستهنْ بالمماتْ. وإذا ما رحلتَ، وغالبَك الشوقُ، يا ولدي فأمضِ وحدَك لا تلتفتْ للوراءْ وإذا ما سمعتَ الحديثَ فزِنهُ على وجهتين. وإذا ما رأيت الفريقين يختصمان، فكنْ حكماً وصديقا مُحبْ. يا أبي صرتُ وحدي، كنمر البراري على هذه الأرض، لم استرحْ. الغريبُ الذي ظلَّ يلقي أناشيدَه دونما سامعٍ صرتُ أهوى التغرّبَ صرتُ المسافرَ والقافلة. من ثلاثين عاما أسيرُ وحيدَ الدروبْ. عافتِ الأرضُ خَطوي، وَحَنْجَرَتي أنفتهُ الغناءْ. وفمي ضاقَ عن ألفِ حرفٍ وحرفْ.  قد مللتُ الرياحَ التي لم تعدْ بالمطرْ وأرضُنا رَغْمَ أمطارِها لم تزل قاحلةْ. يا أبي..  بعدَ لأيٍ، سأُخبرُ عن منطقِ الطيرِ في غربتي هذه: القوافلُ في غيرِ وجهتِها والقوافي لكافور تُنشدُ فلا ردهُ اللهُ من شاعرٍ، مادحٍ للعبيدِ على مِصرِها  والبيادرُ مقفرةٌ بعدما رحلَ الساحليُّ.  وطيورُ القرى غابتْ ولم يبقَ غيرُ الغرابْ ناعقًا فوق أركانِها. واستحالتْ خرائبَ هذي البيوتْ. تدمع العينُ حينَ أمرُّ على دمنها حيث أذكرُ أحبابي الراحلينْ تائهٌ يا أبي ليس لي بُوصلة من ثمانينَ عاما، ولم نهتدِ للدروبْ غربةُ موحشةٌ  وطريقُ طويلٌ وبقايا من العمرِ تمضي، إلى وجهةٍ غائمةْ.  المسافرَ ما ملَّ منهُ السَّفرْ راحلٌ دائما، في دروب الحياة الغريبُ أنا والمدائنُ مقبرتي الموحشةْ. كبلتني أسوارها المؤصدة  سامحَ اللهُ أجدادي الطيبين كيف رَضوا أنْ يمرّ المسافرُ بينهمو ليفضحَ سرّ قراهُم  وسادنُهم قد أطال الغياب وحلّتْ بِنا لعنةُ العابرينَ فعشقنا السفرْ. والمغني يُغني بموالهِ القروي صارَ يجهلُ لحنَ القبيلةِ ذاكَ القديمْ.  والعصافيرُ تمضي بعيدا، ولكنها لا تودُّ الإيابْ.   يومَ حمدةَ تغزلُ كنزتها علها تُشغِل النَّفسُ عنْ فقدهِ. واستوى ساطعا في يقيني مثلَ بدرِ التمامْ كلّما قلتُ يأتي يُطيلُ الغيابْ.   سفرٌ موغل في سفرْ والقرى قلبُها مِنْ حجرْ. والقبائلُ مرهونةٌ للقدرْ. تركوها تفتش عن أصلها  حين عاث بها الأوباشُ وضاعتْ أرومتُها ذاتَ صباحٍ عبرْ.  جسدي لم يعُدْ لي جسدْ ويدي حين أقبضها لم تعد لي بيدْ هي سوداءُ لا تبهجُ الناظرين استحالت إلى حيةٍ تقرصني حين أُخرجها سمُها نافذ ليس يبقي أحد!  فسلامي على وجِهك السروي حين يمضي إلى حقلنا الموسميْ. وسلامي على مطرٍ حين ذكراكَ يغْسِلني   دائما يطردُ الحُزنَ عنّي يموسقني في نشيدٍ طويلٍ رددتهُ الجبالِ التي حفلتْ بحفيدٍ وجدْ ** فوصاياكَ كُلُّ الذي قد بقي مثلما سجدةٌ تعتلي مًفرقي مثلما نبضةٌ سكنتْ خافقي مثلما زهرةٌ تفوح بعطرٍ ندي فلك الآن كُلُّ التحايا وكُلُّ القُبَلْ سوف أُرسِلُها إذا ما الحصادُ أكتمل حينَ بدرٌ أضاء مساءاتنا واضمحل ربما تصلُ الميتينَ التحايا  التي عبرتْ ذاتَ وقتٍ بهي. ربما   ربما   ربما  يا أبي