هل نعيش حراكاً ثقافياً حقيقياً ؟

في المشهد الثقافي، لا يكمن الخطر في غياب الأصوات، بقدر ما يكمن في وفرتها الخالية من الروح. لم يعد السؤال: أين المثقف؟ السؤال الأشد إلحاحًا: ماذا بقي من أثره حين يعلو ركام الكلام ويغيب السؤال؟ ثمة فتور يتسلل بهدوء إلى الجسد الثقافي، يحرّكه من الخارج ويُفرغه من الداخل. نصوص تتكاثر، مبادرات تتوالد، منصات تتسع، والإحساس العام بالملل يظل حاضرًا كظل ثقيل. المثقف الحقيقي لا يملأ المساحات بالكلمات، يترك في الوعي ندبة فكرية لا تُنسى. ما يحدث اليوم أقرب إلى سباق محموم نحو الكم، يتقدّم فيه “الشريك الأدبي” بوصفه مُنجزًا إداريًا أكثر من كونه فاعلًا معرفيًا. تتراكم الشراكات كما تتراكم العناوين، والسؤال الجوهري يتراجع: ماذا أضفنا؟ وأي أثر تركناه؟ نقطة مهمة يجب التأكيد عليها لا يمكن تجاهل الجهود التي تبذلها وزارة الثقافة لدعم الحراك الثقافي وتهيئة بيئة تتيح للمثقف والمبدع المشاركة والإبداع. هذا الجهد محل تقدير وامتنان، فهو خطوة حقيقية نحو تمكين الفعل الثقافي وتنمية المشهد، وتهيئة المساحة التي تسمح للأفكار أن تتنفس وتنمو. مع ذلك، يظل التحدي قائمًا، إذ أن بعض الشركاء في هذا الحقل ينشغلون بما يُقاس من نجاح ظاهري أو الفوز بأرقام الجوائز والمشاركات أكثر من انشغالهم بالمعنى والعمق الفكري. التركيز على الكم على حساب الجوهر يُضعف تأثير المبادرات، ويجعل الحراك الثقافي أكثر ازدحامًا بالمظاهر وأقل قدرة على ترك أثر حقيقي في وعي القارئ أو المتابع. في هذا الإطار، يبدو الإنتاج الثقافي كأنه تكرار أنيق، يعيد تدوير الأفكار ذاتها بعبارات مختلفة، دون مغامرة حقيقية في تفكيك الواقع أو مساءلة المسلّمات. يغيب القلق المعرفي، ذلك القلق الذي يصنع نصًا حيًا، ويحلّ محله اطمئنان بارد إلى ما هو مألوف. هنا يبدأ الانحدار الصامت، حين تتحول الثقافة إلى واجهة، لا إلى موقف. ما نحتاجه يتجاوز زيادة عدد الفعاليات، نحتاج جرأة في إعادة تعريف دور المثقف ودور الشريك الأدبي بوصفهما شريكين في إنتاج المعنى، لا في استهلاك المشهد. نحتاج نصوصًا تُربك القارئ، لا تُرضيه، مبادرات تُراكم الوعي، لا الصور، حضورًا يترك أثرًا، لا مجرد مرور. يبقى السؤال مفتوحًا: هل ما نعيشه حراك ثقافي حقيقي، أم حركة مستمرة بلا اتجاه؟