في غرفةِ الكتابة.

للمرة العاشرة، وقف الأستاذ أمامنا محبَطاً من مستوى كتاباتنا التي وصفها بالعادية، والتي لم تتمكن من قطف دهشته ولا الفوز بثنائه. كنا محبَطين أيضاً، وشاعرين بأننا أقزام، نحن المتخصصين، الذين انتخبنا المركز من بين عشرات المتقدمين. فمهما كتبنا، كانت الكتابة التي نقدمها بالنسبة له ليست شيئاً مذكوراً. أوجعَنا بذكائه، وبمعرفته العميقة، وقراءاته المتوسعة بلغات عديدة، وكلما طلب منا رفع السقف، أسقطه على رؤوسنا بتعليقه أنّ ما نستخدمه من الصور والتشبيهات مطروقٌ ومسبوق، وأنّ اللغة التي نستدعيها متوسطةٌ بل تبدو بدائيةً. ثم طلب منا أن نكتب سطراً ونصف السطر عن أنفسنا، في بحر دقيقةٍ واحدة. كتب بعض زملائي، لكنني لم أستطع أن أكتب. وفي اليوم التالي، ختم المحاضرة بواجبٍ كتابيّ عن الموت، وآخر عن الجوع، فكتبتُ في البيت تحت الشعور بالذعر من أنني لم أعد أحسن الكتابة، وفي اليوم التالي، حين شرع الأستاذ في التقييم، خبأتُ واجبي، ولم أخبره بأنني كتبت. إنها المرة الأولى في حياتي كلها التي أهمّ فيها بالكتابة عن شيء فلا أستطيع، والمرة الأولى أيضاً التي أخاف فيها إلى هذا الحد، أخاف من أن أقترب من الكتابة. كنت حزينةً وجريحةً وغاضبةً لأنني لم أغامر بكتابة الواجبات خوفاً من انتقادات الأستاذ. وماذا إن انتقدني ووصف كتاباتي بشيء لا أحتمله، ألم أدخل إلى هذا الدرس طوعاً ؟ راغبةً في تعلم ما لا أعرف، مستعدةً لاحتمال الضوء الحارق إن تسلّط على ثغرات كتابتي وأرشدني إلى الطريق الوعرة لنقل مستواي إلى فضاءات أخرى. كتبت الواجب الجديد، كان عن الطفولة، طلب منّا أن نقلّ الكلام، ونكثّف المعنى. وتحت شعوري بالخوف، وملاحظتي لتناقص عدد الراغبين في قراءة واجباتهم من زملائي، أحجمتُ مع المحجمين. ولم يخفَ على نباهة الأستاذ أننا بتنا مذعورين من التعبير، فرفع صوته المليء ذا النبرة الحادة، قائلاً : إنّ علينا جميعاً أن نخوض التجربة، وإن اختبارنا لصلاحية أدواتنا الكتابية ومدى إجادتها هو ما دفعنا للدخول إلى هذا المكان، وعلينا كذلك احتمال الألم المترتب على معرفةِ ما ينقصنا، حتى لو أدى الألم إلى اجتناب الكتابة قليلاً لمعالجة النزيف. وقد صدق في اختياره لمفردة النزيف، فما يحدث فيّ لم يكن شرخاً، أو جرحاً صغيراً أو حتى رَضّة، كان نزيفاً حقاً، وما حدث في الأيام الماضية لم يكن إلا ردّ فعلٍ على بحر الدم الذي انفتحت به عيني على موقعي من الجبل. ثم تشددّ الأستاذ هذه المرة في التأكيد على تسليم واجبنا القادم، مختاراً له موضوع الخوف، ومانحاً مهلة تمتد إلى يومين كاملين. طلب أن نتمعن في الخوف، أن نعيشه حتى نستغيث، وأن نختطف قارئنا ونخيفه أيضاً. أمرنا أن نغلق أبوابنا علينا، وأن نغوص في أعماقنا، مستمدين من تجاربنا أكثر ما أخافنا، ثم نعبّر بحواسنا الخمس كلها، كلّ حاسة منها في تعاملها مع ذلك الشعور. خلال المهلة الممنوحة، حاولت استدعاء مخاوفي في غرفةِ الكتابة، مخاوفي نفسها كانت خائفةً من الدخول ومختبئةً خلف الباب، أغريتها بالأمان، وسحبتها من أصابعها، لكنها هربت وتفرقت في أركان البيت. حاولت وحاولت، وقد نسيت النوم يومين متتابعين وتلفتْ أعصابي ولم أكتبْ سطراً واحداً. تغافلتُ عن النزيف الذي تردّت حالته، وتواصلت مع زملائي الآخرين، فأخبرني بعضهم أنه كتب، كما أن بعضهم ظلّ يحاول، في حين أنني بتّ خائفةً حتى من ملامسة القلم! كانت هذه نقطة انطلاقي: الخوف من الكتابة. استغرقت في ذاتي، وكتبت بدمي ودموعي وابتساماتي، مستمتعةً بهزائمي، ومتحديةً خوفي الذي حاول الصراخ كلما تقدمت سطراً في الكتابة. كتبت وكتبت، وكلما ملأت صفحة، أخذتْني إلى أختها، ولم يتبقّ من الوقت إلا نصف ساعة، سكبتُها على مراجعة سريعة، ثم ضغطت زر الإرسال، وخرجت من غرفتي أطير عبر السلالم. في الصف البارد، وقف الأستاذ أمامنا في الظلام، وقد انعكس ظله الطويل على الشاشة المضيئة، حاملاً أوراقَ واجباتنا، وفي صوته نبرة اعتزاز للمرة الأولى منذ بدأ معنا، قائلاً : إنه سعيدٌ لأنّ تكسير العظام قد أصلحها، ولأن آثار دموعنا شقت طريقنا إلى المستوى التالي، “ولكنني أحذركم من الرضى. إياك أن ترضى عن نفسك”!. قال هذا، فاشتعلت القاعة بالتصفيق، كلُّ جريحٍ منا يهنئ الآخر، متباهياً بمعاناته، ومستعداً لخوض المعركة التالية.