شارك في تأسيس الأندية الأدبية قبل خمسين عاما وما يزال عضو مجلس إدارة فيها..

محمد علي قدس: منبر “أدبي جدة” غير وجه الثقافة في المملكة.

على امتداد أكثر من نصف قرن، قدّم محمد علي قدس تجربة ثقافية متعددة المسارات، توزعت بين القصة القصيرة، والعمل الثقافي المؤسسي، والإعلام الثقافي، في حضور اتسم بالاستمرارية والهدوء بعيدًا عن الأضواء. ومن مكة المكرمة، حيث تشكّلت ملامح وعيه الأول في بيئتها الشعبية، إلى النادي الأدبي في جدة الذي كان من مؤسسيه وشهد بداياته، وما يزال عضوا فاعلا فيه، تتقاطع سيرته مع مراحل مهمة من تشكّل الحركة الثقافية في المملكة. ويأتي هذا الملف بالتزامن مع اختياره شخصيةً لـ”ملتقى قراءة النص 22”، الذي ينظمه أدبي جدة هذا العام 2026م، حيث نستعرض، عبر حوار موسع، ملامح هذه التجربة ومحطاتها المختلفة؛ بدءًا من علاقته المبكرة بالأديب محمد حسن عواد بوصفها نقطة تحوّل في مسيرته، مرورًا بتجربته في الإذاعة حيث قدّم أعمالًا درامية وثقافية أسهمت في تقريب الأدب إلى الجمهور، ومشاركته في برنامج الكتاب المبدعين بجامعة أيوا الأمريكية، وصولًا إلى اهتمامه بتوثيق الذاكرة الثقافية وكتابة سِيَر روادها. كما يسلّط الملف الضوء على جوانب أقل حضورًا في تجربته، من بينها علاقته بالترجمة، ورؤيته الخاصة لفن الرواية من خلال أعماله الإذاعية. الخطوة الجريئة الأولى *بالنظر إلى مسيرتك المتنوعة في العمل الوظيفي والعمل الثقافي والإذاعي والكتابة الادبية في الأدب والصحافة، ما هي أبرز المحطات التي أسهمت في تشكيل شخصيتك الادبية؟ كيف تقيّم رحلتك الثقافية بعامة بعد نحو خمسين عاما من العمل والإنجازات في مختلف المجالات؟ -كان مشوارا حافلا بالأحداث والإنجازات، الخيارات كانت فيه متعددة ومفترقات الطرق متعددة، وأهمها كيف كان علي أن أحقق طموحاتي بين تخصصاتي العلمية ومواهبي وميولي الأدبية. واستطعت بحمد الله أن أحدد مساراتي بإخلاصي في العمل والجد في تحقيق أحلامي، تلك التي حددتها خلال مراحلي الدراسية من خلال ممارستها في مشاركاتي في النشاطات كعضو فعال في جماعة الصحافة والإذاعة المدرسية. اهم ما تحقق لي انجازه، هي تلك الخطوة الجريئة التي دخلت فيها النادي والتقيت فيها رئيس النادي الملهم أستاذي الكبير محمد حسن عواد عندها كانت نقطة التحول. مكة.. أرض النشأة *أنت ابن مكة المكرمة، وبيئتها حاضرة بقوة في كتاباتك. ماذا منحتك هذه المدينة على مستوى الرؤية الإنسانية والأدبية.كيف ساهمت في تشكيل هويتك الأدبية؟ -أنت تذكرني بمسقط رأسي أرض الحب والنور، لاشك ان نشأتي في تلك الرحاب الطاهرة وقرب بيته الحرام، كان لها تأثيرها في حياتي وفي شخصيتي، رائحة ترابها الطاهر تذكرني بحواريها القديمة ورواقات الحرم. وفي ذاكرتي سوقها المشهور “السويقة” قرب بيتنا والوجوه المتفردة فيه بطيبها وأصالتها، كان لتلك الوجوه والشخصيات تأثيرها في نفسي، وتجدها مرسومة ومجسدة في الكثير من قصصي وفي الشخصيات الدرامية التي نقلتها في دراما الاذاعة. قبل نحو 55 عاما.. *أنت أحد مؤسسي النادي الأدبي بجدة، وربما تكون الوحيد من جيل المؤسسين الذي ما يزال حاضرًا في نشاط الاندية بعد تحوّلها إلى جمعيات أدبية. ماذا بقي في ذاكرتك من تلك البدايات التأسيسية؟ وكيف تتذكر مرحلة الحضور اللافت للنادي في الثمانينات والتسعينات؟ وما هي رؤيتك لمستقبل المؤسسات الثقافية والعمل الثقافي بعامة في المملكة؟ -اعود بذاكرتي إلى ذلك اليوم التاريخي قبل أكثر من خمسين سنة حين اجتمع ٢٢ أديبا واعلاميا من أدبائنا الرواد لاختبار أول مجلس إدارة للنادي بدعوة من الأديبين الكبيرين محمد حسن عواد وعزيز ضياء بعد أن حصلا على إذن رسمي من الدولة بإنشاء أول ناد أدبي في المملكة، وفي أول انتخابات أدبيّة. كانت تلك اللحظة التاريخية هي الفارقة. وقد بدأت بعدها حقبة تاريخية لنهضة أدبية متميزة في المملكة. وأرى اليوم أن مرحلة وعهدا جديدا بدأ برؤية مختلفة وتوجهات ليس فيها وهج القديم. رواياتي لن تجدها في الكتب.. *توزعت مؤلفاتك بين القصة القصيرة وكتب الفكر والنقد. ماذا كنت تبحث عنه في هذه المساحات المختلفة؟ ولماذا لم تخض تجربة الرواية، رغم أنها أصبحت في السنوات الأخيرة الجنس الأدبي الأكثر حضورًا في المشهد الثقافي؟ -في بدايات كل مجتهد الخوض في مجالات متعددة كما لو كان في فترة تجريبية نتيجة القراءات المتعددة والميول المتنوعة وفي النهاية يكون التركيز على الجانب الذي يجد فيها الكاتب نفسه، ويجد فيه ما يشبع رغباته ويحقق أمانيه، وقد وجدت نفسي في القصة وكتابة الدراما وما عدا ذلك حاطب ليل. أما لماذا لم أكتب الرواية.. فأقول كتبتها ولي روايات كثيرة، ولكنك لن تجدها في الكتب المطبوعة وتجدها روايات درامية إذاعية فلي في أرشيف الاذاعة العديد من المسلسلات والسباعيات الإذاعية. الانضمام لنادي السفارة الأمريكية *عثرت في أرشيفك على صفحة ثقافية نشرت فيها ترجمة قمت بها لقصة عالمية، وهو جانب قد لا يعرفه كثيرون عنك في الساحة الثقافية. حدثنا عن هذه التجربة غير المكتملة. كيف بدأت علاقتك بالترجمة؟ ولماذا لم تتحول إلى مسار مستمر في تجربتك الأدبية؟ -تجربتي مع الترجمة بدأت بانضمامي للنادي الثقافي في السفارة الأمريكية، وقد استعرت الكثير من القصص والروايات من المكتبة، ومن ثم مشاركتي مع اكثر من ٣٢ مبدع عالمي في برنامج الورش الإبداعية الذي تنظمه جامعة أيوا بالولايات المتحدة، استفدت كثيرا من ورش الترجمة التي شاركت مع المشاركين بترجمة قصصي للإنجليزية ونقل قصص عالمية للعربية واستفدت من تجارب مبدعين عالميين. مشواري الاذاعي بدأ بمسابقة *لديك تجربة طويلة في إعداد البرامج التلفزيونية والإذاعية. ما الذي أضافه العمل الإعلامي إلى تجربتك الأدبية؟ -مشواري مع الاذاعة بدأ مع الاذاعي الكبير الدكتور بدر كريم والأستاذ الكبير مطلق مخلد الذيابي والأستاذ العلامة أبو تراب الظاهري. كانت لدي فكرة لمسابقة رمضانية للإذاعة وكانت سعادتي كبيرة حين أجيزت المسابقة ورشح لتقديمها الإذاعية الراحلة شيرين شحاتة والفنان الراحل حسن دردير، وكانت عبارة عن زجل يعرف من خلاله وصف مهنة من مهن الحياة. وجدت في التعاون مع الاذاعة ما يحقق رغبتي في مساهمتي في إبراز الدور الذي تقوم به الاذاعة لتبسيط الجرعات الثقافية للمستمعين وما يهمهم من أخبار الأدب. خمسون قصة من الأدب السعودي *قدمت أكثر من أربعين عملاً درامياً وثقافياً ووثائقياً. أي هذه التجارب بقي الأقرب إلى قلبك؟ -الأقرب إلى قلبي مسلسل اذاعي رمضان استمرّ لمدة ثمان سنوات وهو ( تمرة وجمرة) بشخصيّاته الشعبية ومواقفهم الطريفة التي جسدها كبار الدراما إذاعية في ذلك الوقت؛ محمد بخش، الشريف العرضاوي، ناجي طنطاوي، عبد الستار صبيحي، نعيمة الحميدي. جواهر بنا وغيرهم؛ كذلك مسلسل( مقامات الزمان في رمضان)، إضافة إلى سباعية ( عندما يعود الحب) بطولة محمد حمزة ومريم الغامدي، باعتبارها أول دراما إذاعية كتبتها وقدمتها الاذاعة عام 1395هـ. كذلك أعتز ببرنامج (قصة من الأدب السعودي) الذي قدمت فيه اكثر من 50 قصة من تراثنا الأدبي واستمر لمدة 7 دورات إذاعية متتالية. تجربة جماعة أيوا الأمريكية *شاركت في برنامج تجارب الكتاب المبدعين في جامعة أيوا بالولايات المتحدة. ماذا أضافت لك هذه التجربة؟ وكيف رأيت صورة الأدب السعودي حينها في أعين الأدباء العالميين المشاركين في البرنامج؟ -أشرت إلى هذا البرنامج العالمي في إجابتي عن سؤال تجربتي مع الترجمة وأضيف، كانت تجربة لم تتوفر للكثير من الادباء السعوديين وأذكر ربما ممن شارك فيه ولم يكمل رجاء عالم والأستاذ عبد الله بخيت، وكنت الوحيد الذي استمر في البرنامج الذي مدته ٤ شهور فصل دراسي كامل في الجامعة يتضمن إلقاء محاضرات والمشاركة في ندوات جامعية وقراءات أدبية في المكتبة العامة وورش للإبداع والترجمة، حصلت بعدها على شهادة من الجامعة بمشاركتي الناجحة مع مبدعي العالم في هذا البرنامج. إعادة رسم شخصية العواد *كتبت سيرة الرائد محمد حسن عواد، وكشفت فيها مواقف وروايات لم تُنشر من قبل عن حياته شاعراً ومجدداً وإنساناً. ما الذي أردت أن تقوله عبر هذه السيرة؟ وهل كنت تسعى إلى إعادة قراءة شخصية العواد بعيداً عن الصورة التقليدية التي استقرت في الذاكرة الثقافية؟ -كنت فقط أسجل ما سمعته ومنه وما عرفته عنه، وقد سلطت اهتمامي على الجانب الإنساني والسلوكي، وقد وجد القارئ في الكتاب ما لا يعرفه عنه وما لم يسمعه عنه، وبالفعل كما ذكرت حاولت إعادة رسم شخصيته من زاوية خاصة لا يعرفها سوى المقربين منه، اضافة إلى علاقته بإبنته ووحيدته نجاة، وبالأدباء الذين اختلف معهم ومن كان لصيقا به ومقربا منه. انتظروا أوراق مذكراتي *عاصرت في النادي الأدبي بجدة عددًا من الرواد، وكان بينكم رائد ثقافي لا يقل أهمية عن العواد وهو الأستاذ عبدالفتاح أبومدين، وشهدت معه فترة ثرية بالأحداث والمواقف في الحياة الثقافية. هل تفكر في أن تكتب شهادتك عن تلك التجربة أو توثق سيرة ذلك الرائد للأجيال الجديدة؟ -المدة التي عملت فيها مع الاستاذ محمد حسن عواد ومن بعده الاستاذ حسن القرشي رحمهما الله لا تتعدى الخمس سنوات بينما عملت مع الاستاذ عبد الفتاح أبو مدين رحمه الله عقد من الزمن كنت ولازلت أقول أنه العهد الذهبي للنادي، شهدنا فيها الكثير من الاحداث والتحولات، في هذه الفترة بالذات من على منبر النادى ونشاطاته تغير وجه الثقافة. ولا أبالغ حين أقول. أن من أراد ان يرصد ارهاصات وصراعات وتحولات الحركة الأدبية ومتغيراتها عليه أن يرصد تاريخ النادي في هذه الفترة، فكل ما سجلته معارك وصراعات الحداثة وما بعدها كان جزءا من تاريخ النادي. لا أذيع سرا حين أقول انتظروا كتابي( ماجاء في الأحاديث خلف الكواليس) من أوراق مذكراتي. العتبة الأخيرة *أخيرا، وبعد هذه الرحلة الحافلة الطويلة والممتدة حتى الآن، ما الذي ذهب، وما الذي بقي؟ -أنا في العتبة الأخيرة من هذا المشوار الطويل، وأجدني ألقي رحالي في استراحة محارب. وأنا سعيد كل السعادة ليس فقط بما قدمت وما ساهمت فيه مع فريق عمل استفدت من عملي معهم في كل مجال وفي كل محيط، سواء في النادي أو الإذاعة أو الصحافة بل لأن في نفسي لكل إنسان عملت معه واستفدت منه كل محبة وإعزاز وتقدير. والذين سعوا لتكريمي هم أكرم مني وهم الأحق بالوفاء والتكريم. التكريم الحقيقي الذي أسعدني وأرضى غروري محبتهم لي، ومحبة الناس فيها كل الجوائز.