شاعرة رائدة وأكاديمية بارزة تفاجئ الساحة بخوض تجربة التلفزيون الثقافي..
فوزية أبوخالد: العمل الثقافي يمكن أن يكون جماهيريا دون أن يفقد عمقه
فاجأت الشاعرة الرائدة الدكتورة فوزية أبوخالد الساحة الثقافية مؤخرًا بخوضها تجربة الإعداد والتقديم التلفزيوني عبر برنامج «قصائد وقارات» على قناة الثقافية؛ في خطوة تبدو أقرب إلى تقديم نموذج لدور الأديب والكاتب في الإعلام الثقافي المرئي، واستثمار أدواته المعرفية والجمالية في خطاب أوسع تأثيرًا، أكثر من كونها مجرد تجربة تقديم برنامج تلفزيوني. هذه التجربة تطرح أسئلة أعمق حول قدرة المثقف على إعادة تعريف حضوره خارج مجاله التقليدي، وتوسيع دائرة تأثيره عبر وسائط جديدة. هنا حوار مع الشاعرة الدكتورة فوزية أبوخالد ، نقترب فيه من تجربتها الأخيرة بوصفها حالةً تتجاوز حدودها الفردية، وتفتح الباب لقراءة تحولات أوسع في علاقة الأدب بالإعلام، وفي الكيفية التي يعبر بها الأديب إلى جمهور مختلف، بلغةٍ تحافظ على عمقها وتكسب، في الوقت ذاته، رهانات الوصول والتأثير. * أولا من صاحب فكرة برنامج قصائد وقارات؟ - تستطيع أن تقول أن هذا البرنامج خرج إلى النور بإلهام ثلاثة ينابيع، النبع الأول هو الرؤية المستنيرة 2030 في تسيير عربات التحولات الاجتماعية على أرض المملكة بما أعطى مساحة من الحرية والدعم للجانب الثقافي الذي يعد ركنا أساسيا من أركان أي تنمية وأي نهضة وطنية. النبع الثاني هو قناة الثقافية وإطارها المرجعي وزارة الثقافة وتبادلها الرسالة الثقافية الجادة مع حيوية mbc ً. ووجود إدارة وقيادة مثقفة وطموحة منفتحة على التنوع والتعدد المعرفي وقد قامت الثقافية بإعادة اختراع العجلة “المعطلة” قولا وعملا ولكن بشكل مختلف ومتقدم تقنيا ومضمونا وقدرة على اجتراح دوران الأرض في استقراره وقلقه بعد أن كان العمل الثقافي عبر الشاشة بالكاد يتحرك داخل مساحة مربعة محدودة. نستهدف كل عشاق الحياة *ماهي رسالة برنامج قصائد وقارات وهل له هدف محدد ومن يستهدف؟ -نعم يستهدف كل عشاق الحياة من خلال الكلمة والإيقاع والمعنى العميق لأن نعيش لنحيا لا لنعتاش على الخبز فلا تحيا الشعوب ولا القلوب على الخبز وحسب بل تحيا بالأمل والتأمل البعيد وبالعمل وعذوبته وعذاباته. وهو برنامج يتوجه إلى كل الأجيال المتلهفة على حب جديد وعلى آفاق جديدة للإكتشاف. وهدف البرامج تقديم صورة لنا كأرض للمعلقات القديمة والحديثة تتفاعل شعريا وثقافيا مع العالم ليس العالم الغربي فقط بل مع العالم ككل في علاقة عدل جمالي تكتشف وتعترف بالشاعرية العظيمة لجميع الشعوب في جميع القارات. فنقرأ شعر شعوب آسيا وأستراليا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية إلخ.. أما رسالته فتطبيع علاقة الأجيال بالشعر الحديث وما بعده ليس باعتباره نبتة شيطانية ولا نبتة غريبة بل تصحيح تلك التهم التي ألصقت به وأطلقت عليه وشاعت بين الناس فجعلتهم يجفلون منه دون أن يقرؤوه ودون تمحيص نقدي وذلك ليس بالدفاع عن الشعر الحديث ولكن فقط من خلال إتاحة فرصة موضوعية للتعرف على الشعر الحديث من خلال سماعه عبر شاشة الثقافية والشاشات الذكية الجديدة الأخرى للسوشل مديا يوتيوب إنستغرام إلخ ومن خلال إكتشاف الشعر كحركة ثقافية مجددة تشترك فيها جميع قارات العالم من خلال تقديم تحليل مكثف وإن كان خاطفا لظروف نشأة الشعر الحديث كحالة مقاومة جمالية خاصة في القارات التي تعرضت للاستعمار. قصة العنوان وتفاصيله *كيف توصلت لاختيار هذا العنوان اللافت (قصائد وقارات) لبرنامج تلفزيوني يبث في 25 دقيقة، وكم استغرق العمل على البرنامج؟ -صراحة هذا السؤال إثنين في واحد. لكن لا بأس سأحاول الإجــابة ما وسعني: اختيار عنوان البرنامج كان إلهاما بعد التشاور مع القناة الثقافية ومع المنتجة والمخرج في عدة عناوين جاءت الموافقة على قصائد وقارات. وإن شئت التفاصيل: والله كان مطروح عدة خيارات مثل “ الشعر الحديث حول العالم “ “ الشعر خبز الشعوب” ،” الشعر في ثقافات العالم “، “ الشعر على جناح الثقافية”، “شعر وسفر” وهذا العنوان تحديدا أعجبني كثيرا ولكني قررتُ الاحتفاظ به كعنوان لعمل جديد آخر بإذن الله يربط بين الشعر ودواوين شعر أو قصائد عالمية لافتة ومؤثرة في حركة الشعر لأن العنوان “ شعر وسِفر “ يوحي بطبيعة مختلفة عن هذا البرنامج التجوال عبر القارات. المهم. في لحظة إلهام بعد تصوير كامل حلقات البرنامج في أربعة أيام وبعد العمل عليه ليل نهار على مدى ستة أشهر وكنتُ قد نمتُ باكرا كعادتي لأول مرة.. منذ تمت الموافقة على فكرة البرنامج لحين تصوير الحلقة الختامية، وحين صحوت فجرا صحوت على عنوان “ قصائد وقارات “ يرن إيقاعه في قلبي حمدت ربي على الإلهام وعلى القبول حين أرسلته للمشرفين على البرنامج فأعجبهم والطاقم المشارك وآمل أن يكون معبرا حقا عن روح البرنامج وطبيعته ويعجب المشاهدين أيضا. نوافذ جديدة على الشعر *برنامج قصائد وقارات يطوف العالم قارة قارة بحثا عن الشعر الحديث الذي لا شك أنه مكتوب بعدة لغات كيف تمت عملية اختيار القصائد والشعراء ؟؟ -بالبحث الدقيق عن شعراء كل قارة متعددة البلدان التعرف على بلدانهم وعلى طبيعة إسهامهم في الشعر الحديث نساء ورجال ومن عدة أجيال وكان هناك موازنة وفي نفس الوقت تركيز على تلك البلدان من مختلف القارات التي نادرا ماتتاح الفرصة للتعرف على موقعها على خريطة الشعر الحديث في العالم مثلا في آسيا بلدان مثل الفلبين ، الكوريتين، تايلند ، بنجلاديش هي بلدان تكاد تكون مجهولة شعريا عند بعضنا بينما الصين مثلا اليابان الهند أكثر انتشارا وكذا كنا في عملية الاختيار بعد بحث مكثف بين موازنات جمالية وعدلية قدر الإمكان. نفس المعيار في بحث شعر أستراليا مثلا بين السكان الأصليين الأبروجينال والمستوطنون الجدد ، الشعر الكردي ، الشعر الإسكندنافي الشعر الأفريقي إلخ .. شعر و.. سياسة! *لماذا في برنامج يفترض أنه برنامج شعري مثل الكثير من برامج الشعر خالفتي النمط السائد، حيث لم يكتفي برنامجك ( قصائد وقارات ) بقراءة قصائد من أنحاء العالم بل قدمها معجونة بالجراح وأصوات الشعوب وليس الشعراء فقط .. فبدا وكأنه برنامج سياسي اجتماعي ثقافي وليس برنامجا شعريا فقط فلماذا؟ -أولا لأنني حاولت أن أوظف في البرنامج شغفي الشعري كشاعرة لقصيدة النثر وخبرتي الأكاديمية كمتخصصة في علم اجتماع المعرفة وعلم الاجتماع السياسي وثانيا وهذا الأهم وإن كان ثانيا لأن الشعر حتى في أقصى ذرى إبداعيته وفي أبعد أفلاك التجريد هو منتج بشري يؤثر ويتأثر بمحيطه العمراني من الحب والحرب والسلام . ثم ان الشعر الحديث تحديدا وعبر قارات العالم بغربها وشرقها قد ولد كصوت للمقاومة وللبحث عن الحرية والكرامة والتجديد الشعري والمعرفي . وأولا وأخيرا فقد كان من المهم تقديم برنامج لا يتجاهل الأطروحة الثقافية المعاصرة اليوم وهي مراجعة تلك المسلمة المعطاة عادة للمركزية الغربية شعرا ونثرا فلسفة وفكرا للبحث والكشف عن مساهمة قارات العالم كل بصوتها الشعري المستقل في حركة الشعر الحديث. مغامرة أخرى جديدة *قلتِ ذلت مرة دكتورة فوزية “حياتي لها عدة أعمدة: العمل الأكاديمي، كتابة الرأي، وكتابة الشعر”، الا تخشين أن يشغلك إعداد وتقديم مثل هذا البرنامج عن تلك الأعمدة؟ -حقيقة كنتُ متحفظة جدا على “ الإستهلاك الإعلامي” للكاتب والشاعر عبر العمل التلفزيوني وذلك قبل أن أخوض تجربة برنامج “المعلقة” الفريد والعتيد . فبرنامج المعلقة قدم مغامرة جديدة غير مسبوقة في رأيي في كيف يمكن أن يكون العمل الثقافي الجاد مادة جماهيرية نظيفة. وأرى أن هناك توجه واع في وزارة الثقافة وفي القناة الثقافية نحو هذا الهدف الذي ليس سهلا خصوصا في هذه اللحظة التي أصبح فيها البث الجماهيري مشاعا لخلط التفاهة بالثقافة.. ولو تابعنا توجه القناة الثقافية أجد انه يقدم محاولة مخلصة ومدروسة على تجنب الزبد الثقافي وتقديم برامج ذات عمق ثقافي ولكن تقدم بطريقة خفيفة مكثفة وفي لحظات قليلة لا تزيد على 25 دقيقة تجذب المتابع لها وتشكل طعما بريئا لمن يريد التوغل والمعرفة أكثر / مثل برنامج كتاب ومنعطف وبرنامج أوكتاف للموسيقى وبرنامج الفلسفة وبعض برامج الفكر والشعر العربي الأخرى. برنامج أم مشروع ثقافي؟ *قصائد وقارات هل هو برنامج ثقافي او هو مشروع ثقافي كما يوحي بذلك انطلاقته؟ -هو في هذه اللحظة برنامج ثقافي عبر قناة الثقافية ومنصة يوتيوب وشاهد يروم جعل شعر القارات خبزا وماء. المادة البحثية للبرنامج تزيد كمعلومات وتحليل وقصائد وترجمات من اللغة الإنجليزية على ستة آلاف كلمة في المتوسط لكل قارة، وهذه المادة جديرة بمزيد من الجهد لتحويلها إلى كتاب أو لسلسلة محاضرات. أما التواصل الحضاري بين المملكة العربية السعودية وبين قارات العالم وشعوبه وثقافاته وشعره فهو مشروع حياة. خلطة سحرية في الهامش *كيف كانت ردود الفعل على برنامج قصائد وقارات؟ -هل يصح أن أجيب بإرسال بعض ما كتب عن البرنامج عبر واتساب ومنصة إكس إن رأيت ذلك سأفعل... *هل نتوقع أن نرى امتدادا لأطروحة قصائد وقارات توسع من علاقتنا الثقافية بالأفق العالمي في موسم قادم على قناة الثقافية؟ -هذا ما أصبوا إليه قريبا بإذن الله. ولكن فضلا قبل ختام لقائي مع مجلة اليمامة عبر ملحق “شرفات” ومجهودهما الجبار للحفاظ على جذوة القراءة للمطبوعات الذي خفت وكاد يضمحل لكثير من المطبوعات الورقية المعينية لثقافتنا تاريخيا بودي أن أوجه كلمة شكر مستحقة للقناة الثقافية بكل المشرفين والمشرقين والمستشارين الثقافيين والعاملين فيها كفرسان لا تلين قناتهم من المايسترو مالك الروقي لكل منهم شخصيا وباسمه المعروف وعميق الامتنان موصول لمخرج البرنامج المبدع الأستاذ هاشم الترك ولطاقم البرنامج شخصا شخصا من إنتاج وإخراج وتصوير وماكياج وملابس وديكور وإضاءة. وشكرا لك أ. عبد العزيز على إعطاء برنامج قصائد وقارات مزيدا من مساحات الضوء. وما نسيتُ أن أضيفه عن برنامج قصائد وقارات هو تلك الخلطة السحرية التي ساهم بها الإعداد والإخراج خاصة مساهمة كبيرة وهامة في مزج الفنون الموسيقية والفولكلورية والتشكيل وأغلفة الكتب وصور الشاعرات والشعراء ومشاهد من الشوارع والبيوت والطبيعة المتنوعة لكل قارة في كل حلقة من حلقات البرنامج. -------------- بين القصائد والقارات.. تركية العمري* تأتي الشاعرة فوزية أبوخالد إلينا عبر نسائم فبراير لتأخذنا إلى قصائد ترفرف بين القارات. ولدت تلك القصائد بين سهول وخلجان، وتفيأت أشجار عتيقة. قصائد تشبه صوت ناي يأتي من بعيد. قصائد تتبع خطى منهكة. تفتح لنا الشاعرة فوزية أبوخالد عبر (قصائد وقارات) نوافذ ملونة على الهويات والأعراق، نوافذ من شعر محفوف بالموسيقى، والرقص، والدموع أيضاّ. تمنحنا فوزية أبوخالد بإحساسها الجمالي للكلمات واحات ممطرة وكأنها تدعونا للسير معها في الغابات، والبراري، وبجوار الشواطئ فنرى أشرعة بيضاء ترقص مع حوريات البحر. عبر قصائد وقارات تتفتح مرايا بقصائد الشاعرات العازفات على أحلام الأنوثة، قصائدهن القريبة من أهازيج الطفولة، ومن حب ربما يشبه الندى. وبعد؛ شكراّ للشاعرة فوزية أبوخالد التي حلقت بنا بين قصائد تطل من بين أفنان لغتها الأصلية، وتصافح لغات متعددة شكراّ لفوزية أبوخالد التي جعلتنا نقترب أكثر من دهشة الكلمات، وجمالية الصور المتلاحقة، وغنائية الأمكنة . *كاتبة ومترجمة.