تأملات في السيناريوهات الممكنة..

وهل اكتملت “أبجدية” جاسم الصحيح الشعرية؟!

يدل عنوان ديوان الشاعر جاسم الصحيح (أبجدية لاكتمالي) على مقولة فلسفية كثيفة الإيحاء، تعيد المتلقي منذ اللحظة الأولى إلى أفق تأملي يتصل بالدائرة الأفلاطونية المثالية التي لم تبلغ اكتمالها بعد. فالعنوان لا يعمل بوصفه تسمية خارجية للنص فحسب، بل يُعدُّ عتبة تأويلية تفتح المجال أمام القارئ للدخول إلى فضاء شعري يتقاطع فيه الفلسفي بالوجودي، والرمزي باللغوي. ذلك أن التصور الفلسفي الأفلاطوني يجعل من الدائرة نموذجًا مثاليًّا للوجود؛ فهي الشكل الهندسي الأكثر كمالًا، إذ تتماهى بدايتها مع نهايتها، وتتحقق فيها وحدة المركز والمحيط في انسجام كوني يعكس فكرة الكلية والاكتمال. ولهذا أصبحت الدائرة في المخيال الفلسفي رمزًا لدورة الحياة المكتملة، ولحركة الوجود التي تعود إلى نقطة البدء دون أن تفقد توازنها. غير أن شاعرنا يتجاوز هذا النموذج الأفلاطوني التقليدي، إذ لا تستقر الدائرة في تجربته الشعرية على اكتمالها، بل تظل دائرة مفتوحة على احتمالات النقص والتجدد. ومن هنا يمكن افتراض أن الحقيقة التي يبحث عنها الكائن البشري في هذا الأفق الشعري تظل حقيقة غير مكتملة؛ بل إن اكتمالها ذاته يصبح موضع مساءلة. فكل نهاية تتحول إلى بداية جديدة، وكل اكتمال يتشظى ليولد نقصًا آخر، وكأن التجربة الشعرية هنا تعيد صياغة السؤال الوجودي القديم: هل المعرفة ممكنة في صورتها النهائية، أم أن الإنسان محكوم بقدر من النقص الأبدي؟ نلحظ أنّ العنوان ينسجم مع فرضيتنا التي تنتصر لفكرة العود الأبدي، حيث يتحول الزمن في القصيدة إلى حركة دورانية لا تبلغ استقرارها النهائي، فينعكس ذلك التوتر الوجودي على بنية النص ذاته. يقول الشاعر جاسم الصحيح في ديوانه (أبجدية لاكتمالي)، وفيما نعته في المقدمة: مجازات تخلفت عن الذهاب إلى قصائدها آهِ يا أيها الغرباء! كلما رأيتُ الصحراء صرختُ: ياوطني؛ وكلما رأيتُ النخل، صرختُ: ياوطني… مَرَّتَيْن. إن قلق “نقص الاكتمال” يتمفصل عن وحدات معجمية متعددة من قبيل: “تخلفت عن الذهاب” (عدم الالتحاق بالدائرة)، و“رأيت الصحراء صرخت ياوطني…مرتين”. أي أن التكرار الصواتي والتركيبي للمركب الفعلي “صرخت” لا يعمل بوصفه تكرارًا بلاغيًا فحسب، بل بوصفه مؤشرًا صواتيًا على تصدع الذاكرة. فالصرخة هنا ليست مجرد انفعال لغوي، بل هي علامة على انقطاع في السلسلة الرمزية التي تربط الذات بموطنها الأول. إنه تصور يخالف الدائرة الأفلاطونية التي تقوم على مركز ثابت ومحيط متوازٍ؛ حيث لا تستقر دائرة الأبجدية على الاكتمال، بل تتحول إلى بنية مفتوحة تتجاور فيها البدايات دون أن تنتهي إلى خاتمة نهائية. وهي بذلك سيناريوهات غير مكتملة تجسد حالتي الانفصال والاتصال بين السواد والبياض، وبين البدايات التي لا نهاية لها في الكتابة؛ وكأن القصيدة هنا تعيد إنتاج لحظة التكوين الأولى للغة، حيث تنبثق الأبجدية من رحم النقص لا من اكتمال المعنى. ما يؤكد فرضيتنا السابقة أن الشاعر يكتب سردية شعرية للدائرة الناقصة كذلك؛ حيث لا تكتمل أبجدية الوجود. يقول: “لغتي نبتت في تربتي”،“ولكنني لست فلاحًا بما يكفي الشعر، ولا شاعرًا إلى درجة الفلاحة”. إن الوحدة المعجمية المهيمنة “عدم الاكتمال”، تسم سيناريوهات الحياة والفلاحة وكتابة الشعر لدى الشاعر. إذ ينفي، انطلاقًا من مركبات النفي “لست، لا”، كل اكتمال ممكن، فتتداعى لدى المتلقي سيناريوهات متعددة من الأسئلة الوجودية: ما السرُّ في عدم الاكتمال؟ وهل النقص قدر جمالي للشاعر أم شرط معرفي للإبداع؟ إنه سؤال سرعان ما يجد القارئ الشاعر يكرره بملفوظات متعددة حينما يقول: وحينما أتم جولتي وأخرج، أجد نفسي في اللامكان، فأسأل العابرين في اللغة من الذي ألقى بي خارج النص؟! إذن، شاعرنا يشيّد عالمًا لا يكتمل رغم الكثافة البلاغية التي أدمجت السردي في الشعري؛ فالشعر هنا لا يكتفي بأن يكون لغة مشحونة بالصور، بل يتحول إلى حكاية وجودية عن الذات وهي تبحث عن موضعها داخل النص وخارجه في آن واحد. ذلك أن تراكم الأصوات ينحسر دون أن يشكل إيقاعًا مكتملًا في قوله: لاشيء في يومي يليق بشاعرٍ مثلي، لأخلعه على قُرّائي وأغيب لكن في ضريح مشاغلٍ تحثو علي كثافة الأشياءِ إذن نلحظ أن البنية التصورية لعدم الاكتمال تهيمن على كتابة الشاعر صوتيًّا وتركيبيًّا ودلاليًّا؛ فالصوت يتعثر قبل أن يبلغ ذروته الإيقاعية، والتركيب اللغوي ينفتح على فجوات تأويلية تسمح بتعدد المعاني، والدلالة تتكسر قبل أن تبلغ يقينها، فهل يا ترى يخفي شاعرنا سرًّا خلف هذه الذاكرة الشعرية التي تتجاوز الدائرة الأفلاطونية وتخالفها حيث تحولها إلى دائرة مفتوحة، أي دائرة أفق منفتح، فالملفوظ الشعري الآتي يختزل الإجابة على قلقنا الوجودي كذلك، لأننا نشاطر الشاعر ونعيش معه تلك الحلقة الدائرية غير المكتملة. يقول: “الشعر حياة مخبأة في الاستعارات، وليس مجرد أغنيات استهلاكية للطرق الطويلة، وعلى الشاعر أن لا يقول كل شيء”. الشاعر السارد حاول أن يوهمنا في العنوان التقريري (أبجدية لاكتمالي) بحلم يكتمل، غير أن مؤولاتنا السابقة دحضت ذلك وناقضت مقصدياته ومقصديات أفلاطون في الدائرة المغلقة. فأن يعترف الشاعر بأن الشعر حياة مخبأة في الاستعارات فمعنى ذلك أن محنة الإنسان الوجودية مستمرة متواصلة للكشف عن الحقيقة وعن أسرار الحياة المخبأة في المجاز. إنه بحث مستمر وغير مكتمل، ساعة ساعة وطريقًا طريقًا، حبلى مليئة بعلامات الاستعارات وبضغط دلالي عالٍ في القصيدة المنفتحة على كل الاحتمالات. إذن، شاعرنا يناقض في حلمه الشعري الدائرة الأفلاطونية؛ حيث ينتصر لما صار ينعت في الدلالة المعرفية بـ السببية الدائرية المنفتحة التي لا تنتهي عقدها، من خلال مفهوم النسق الدائري المنفتح الذي قدّمه برطالونفي بوصفه نظامًا منفتحًا تكراريًّا مطاطيًّا، وهو ما يشكل في ديوان الشاعر الحلقة الحلزونية (Spiralloop)؛ تلك البنية التي لا تعود إلى نقطة البداية نفسها، بل تتقدم في حركة حلزونية متصاعدة تتجدد فيها الدلالة باستمرار. وهكذا يصبح عدم الاكتمال نفسه مبدأً جماليًا يمنح القصيدة قدرتها على الاستمرار، ويحوّل النقص من علامة عجز إلى طاقة شعرية خلاقة تجعل النص مفتوحًا على احتمالات القراءة. من ثمّ، تغدو “أبجدية لاكتمالي” حلقة دائرية مفتوحة بشكل متواصل، وهذا ما يعترف به شاعرنا حيث يقول: فكمْ فتحنَا على الأرواحِ نافذةً           وكمْ طرقنْا على بَوابةِ الَجَسدِ وكمْ بحثنَا عن المعنى وتاهَ بنا..           لا (الرَّيل)عاد ولم نعثر على(حمدِ) والشعرُ لم يُبقِ منَّا غير أوردةٍ             “أخنَى عليها الذي أخنى على لُبَدِ” لعلَّ مَن خلقَ الإنسانَ في كبدِ         قد زاد من حِصَّة الفنَّان في الكَبَدِ يمكن بناء تشاكل”الأبجدية غير المكتملة” بما ينسجم وفرضيتنا السابقة المرتبطة بـ”الحلقة الحلزونية المنفتحة” وذلك وفق السمات والمقومات المتكررة في كل بيت شعري من الأبيات الآنفة الذكر=[+نوافذ مفتوحة]،[+ أبواب مطروقة]،[+ بحث مستمر عن المعنى]،[ - عثور على المرغوب فيه]،[+ شعر] يعني [+ مكابدة لانهائية] ... إنه دمجٌ تصوري لتجربة ووقائع في الحياة وفق منظومة شعرية في الكتابة وعدم اكتمال أبجديتها؛ حيث نجد بعض المؤشرات الزمنية أو مايُنعت بالمراكز الإشارية التي تحيل مباشرة على هذا الدمج التصوري بين المرجع والذهن والكتابة: فخطوات الشاعر تصل إلى “الستين من العمر” حيث امتدت الحديقة روحيًّا، وفقدت الأشجار النموّ ... هي كينونة الشاعر المتناقصة تدريجيًّا وغير المكتملة، ومع ذلك يقاوم عدم الاستسلام، وهذا ما تلخصه المشابهة التصورية في قوله: “ ولم يبق في حديقتي سوى شجرة واحدة تعظني بالوقوف كلما راود قامتي الانحناء” إن عدم الاكتمال” هو بنية تصورية جمالية تهيمن على أفق الكتابة لدى الشاعر؛ إذ تارة يسقط معاناته على القلق الوجودي كما ورد عند جون جاك روسو حيث الاغتراب والتحول من الفطرة الطبيعية إلى حالة المدينة الاجتماعية، وتارة أخرى يسقط هذا التصور على الأنساق الفكرية للمتصوفة؛ حيث الزهد حياة أخرى في شكل زهد القصيدة في الكلمات يقول: ولم أمارس زهدًا سوى زهد القصيدة في الكلمات... وكأن شاعرنا يعيش تصوريًّا متلازمة عدم الاكتمال حيث بقدر ما تخونه الكلمات وينقصه اكتمال القصيدة. إنها دورة زمنية ذات بعدٍ وجوديٍّ صوفي، إذ يقول: “أحبُّ الصوفيين الذين حلّقوا كالفراشات والحمائم في آفاق العرفان..أحبهم وهم يرعون قطيع النور في صحراء الليل عبر ابتهالاتهم النيرة، أحبّ الصوفيين، وقد تعلّمت من خلالهم أن سكنى الله في الكلمات قبل أن تكون في الإنسان، وأن المأساة ليست إلا إشارة اشتياقٍ يبعثها الرب إلى من يريد مناجاته”. هكذا تتشكّل “شعرية عدم الاكتمال” كما تتجلّى في ديوان الشاعرجاسم الصحيح؛ مساحة للكتابة تتقاطع فيها إسقاطات فلسفية ووجودية وصوفية عرفانية. نحاول من خلالها إعادة بناء شعرية النص عبر قراءات متعددة لخطاب الشاعر، ومن زوايا البناء والتركيب والدلالة. فالعالم، في رؤيا الشاعر، يظلّ غير مكتمل، والقصيدة ذات طبيعة حلزونية مفتوحة، تتجدّد باستمرار وتظلّ قابلة لكل الاحتمالات.