جماليات السرد الكوني.
إذا كانت الرواية النسائية في السعودية عاشت لعقود على “الممنوع” و”المسكوت عنه” كمادة خام لوجودها، فإن الانفتاح الاجتماعي وسقوط العوائق بعد انطلاق رؤية 20230 وضعت المبدعة السعودية أمام استحقاق “الفن الخالص” بعيداً عن “بطولة التمرد” المعتادة. في العقود السابقة، كان مجرد طرح موضوعات مثل “التمرد النسائي” أو “التسلط الذكوري” يمنح النص نوعاً من “البطولة التلقائية” والقابلية للانتشار كوثيقة احتجاجية، لكن مع تحقق المطالب الحقوقية على أرض الواقع، سقط “الخطاب التبريري” الذي كانت تحتمي خلفه النصوص الضعيفة فنياً. لم يعد “المنع” مادة للإثارة، وأصبحت الكاتبة اليوم في مواجهة صريحة مع أدواتها السردية: اللغة، الحبكة، والفضاء السردي. لقد ظلت الكتابة النسائية لعقودٍ خلت، تقتات على فكرة “التمرد” بوصفها قيمةً عليا، كان فعل الكتابة بحد ذاته مغامرةً اجتماعية تستحق الاحتفاء. إلا أن المشهد الراهن الذي تجاوز عتبات المنع والتحريم، يضع المبدعة السعودية أمام استحقاقٍ جديد. فالفن لا يعترف بـ “جواز السفر” ولا بـ “مشقة الوصول” مبرراً لركاكة الحبكة أو هشاشة اللغة؛ الرواية عالمٌ متخيل يُبنى بالتقنيات السردية، لا بالاعتذارات الواهية التي تُحول النص من “منجز إبداعي” إلى “وثيقة مرافعة”. الرواية النسائية السعودية في مرحلتها التأسيسية كانت تحتاج لـخطاب المعاناة لتأكيد هويتها، ولكن الاستمرار في هذا الخطاب بعد زوال الموانع الاجتماعية يحوله من “تمرد مشروع” إلى “بكائية مستهلكة” لتبرير غياب النضج الفني. وجدان الدجين في مقالها البديع عن “السردية النسائية: كتابة إبداع أم كتابة مرافعة؟” رصدت ظاهرة “السردية الاعتذارية” التي تهيمن على خطاب الروائيات السعوديات في الندوات واللقاءات في معارض الكتب، حيث يتقدّم “الظرف الاجتماعي” ليبرر ضعف النص أو تعثره، وتناقش إشكاليةً جوهرية: كيف يمكن للسرد النسائي في السعودية أن يخرج من ضيق “الذات المجروحة” إلى رحابة “الكينونة الإنسانية”؟ تناولت المقالة هذه الإشكالية القائمة في المشهد السردي السعودي المعاصر، والمتمثلة في الفجوة بين طفرة الإنتاج الكمي ومستوى النضج الفني، تنطلق مقالة الدجين من تحليل عميق يكشف أن قسماً كبيراً من أحاديث الروائيات السعوديات حول أعمالهن السردية لا يزال أسير “خطاب المرافعة” وتسول التعاطف، مما يجعله يقدّم “الظرف الاجتماعي” على “الضرورة الفنية”. تطرح الدجين ملاحظة في غاية الأهمية حول ارتباك العلاقة بين الكاتبة ونصها، عندما تقف كاتبة سعودية على منصة ملتقى دولي لتقول: “لم يُسمح لنا بالسفر إلا مؤخراً”، فهي تمارس نوعاً من “الاستجداء الثقافي”. هنا يتحول “الظرف الاجتماعي” إلى درع حماية من النقد الفني، الروائية هنا تطلب من القارئ أن لا يحاكم نصها بالمعايير الفنية، بل تطلب منه أن “يغفر” ركاكة النص تقديراً لظروف إنتاجه، هذا الاعتذار المسبق هو اعتراف ضمني بهشاشة البناء الفني، وهو ما نسميه “فخ الاستعطاف”. ما وصفته وجدان الدجين بـ “سيرة الاعتذار” يمثل أزمة نضج حقيقية، حيث يتوارى المنجز الجمالي خلف الموقف الدفاعي، هذا التواري يحدث عندما تستخدم الكاتبة لغة “تقريرية” تشبه الصراخ حيث تسمي الأشياء بمسمياتها المباشرة (قمع، اضطهاد، حرمان). هذه اللغة تقتل “المخيلة” لأنها لا تترك للقارئ مساحة للتأويل، بل تملي عليه شعوراً جاهزاً، لكن عندما “تتوقف” الكاتبة عن الشكوى المباشرة، وتعتمد على “المشهدية”، فإن القارئ يختبر الألم بشكل أعمق، الصمت هنا ليس عجزاً، بل “بلاغة تعبيرية” تمنح النص احتمالات متعددة. تكمن المشكلة في أن الكاتبة التي تنشغل بـ “تفسير ظروفها” تنسى “إتقان عملها”. وتعتمد على “المظلومية” كوقود وحيد للكتابة يؤدي إلى ما يمكن تسميته “التناسخ السردي”، حيث تتشابه النصوص حد التكرار لأن القضية واحدة والظرف واحد. أشارت الدجين إلى الكاتبة التي احتفت بـ “المعالجة الدرامية” لأنها أصلحت خلل حبكة روايتها، وهذه برهان واضح على عجز الكاتبة عن حياكة عالمها السردي داخل النص، وانتظارها لوسيط خارجي (مخرج أو سيناريست) ليمنح نصها “المنطق” الذي يفتقده، وهذا يكشف عن خلل في استيعاب “الأشكال السردية”، حيث لايحتاج النص الجمالي لـ “عكاز” خارجي. لانريد من الروائية السعودية تجاهل قضايا المرأة، بل التخلي عن “نبرة الضحية”، فالمظلومية حول مطالب حقوقية تختلف عن الأدب بوصفه “تجسيدا” للمعاناة عبر الفن الروائي، عندما تتحول الكاتبة من “محامية” تدافع عن حقها في الكتابة إلى “مبدعة” تفرض نصها بجمالياته، فإنها بذلك تنتقل من مرحلة “إثبات الوجود” إلى مرحلة “التحليق الإبداعي”. أما إذا كانت الكاتبة تظن أن ماتكتبه نوعا من “السردية النسوية” بمجرد شكواها من الرجل أو المجتمع. هذه ليست نسوية، بل هو “احتجاج عاطفي”، النسوية الحقيقية في الأدب هي “رؤية للعالم”، وتقتضي بناء عالم سردي متماسك يقدم بديلاً معرفياً وجمالياً، وليس مجرد مرافعة دفاعية عن حقوق مهدرة. إن عدم الوعي بالفرق بين هذه المستويات هو ما يفسر ارتباك الكاتبات الذي رصدته الدجين، فالمبدعة التي لا تفرق بين “وعيها النسوي” و”ذاتها الأنثوية” و”لغتها السردية”، تجد نفسها مضطرة للاعتذار عن نصها أو تبريره بالظروف المجتمعية. بدلاً من أن تقدم الكاتبة “رؤية نقدية” للمجتمع عبر بناء فني، فإنها تقدم (شكوى نسائية)، والنتيجة في النهاية غياب “الخيال المحض” لصالح “التقريرية”،مما يُفقد النص رصانته ويحوله إلى “رد فعل” بدلاً من أن يكون “فعلاً” إبداعياً مستقلاً. الخلل الذي رصدته وجدان الدجين هو أن الروايات النسائية طيلة الأعوام الماضية كان “استجابة ظرفية” (Contextual Response)، وعندما تغير السياق (بفضل رؤية 2030)، عجزت الكثير من الكاتبات عن الانتقال إلى “النص الكينوني” (Ontological Text) الذي ينهض بجمالياته الخاصة دون الحاجة للاختباء خلف “المظلومية”، على سبيل المثال رواية بنات الرياض فقدت “جاذبيتها” وتحولت إلى الأرشيف. الشرط الأساسي الذي يضعه الناقد د.عبدالله إبراهيم لنضج هذا النوع من السرد النسوي هو ضرورة أن يستوفي النص شروط “الرواية” أولاً قبل أن نلصق به صفة “نسوي” أو “نسائي”. إن جودة النص لا تُستمد من “عدالة القضية” التي يدافع عنها، بل من “التشكيل الجمالي”. فالقضية العادلة لا تشفع للنص الضعيف فنياً، وهو ما يعبر عنه دائماً بضرورة تحويل “الوعي النسوي” إلى “بنية سردية” بدلاً من مجرد خطاب احتجاجي. وحسب تعبيره إن المباشرة في السرد تحوله من “إبداع” إلى “وثيقة”، لأن الكاتبة التي تصرخ بمظلوميتها داخل النص تقع في كمين “الوعي الساذج”، فهي تظن أن قوة الكلمة في الصراخ العالي، بينما قوة الكلمة في “عمقها” الفلسفي، واللغة المباشرة هي لغة “مؤقتة” تنتهي بانتهاء القراءة، أما لغة المجاز فهي لغة “باقية” تضمن بقاء النص مفتوحاً لتعدد القراءات، وهو ما يصنع استمرارية الأثر الجمالي. لذلك ينبغي على الكاتبة السعودية أن تدرك أن كونها “روائية” فهو استحقاق فني يتطلب وعياً معرفياً يتجاوز ثنائية (الرجل/المرأة) نحو ثنائية (النص/العالم). لقد نقلت إنجازات الرؤية المرأة السعودية من “خانة الاعتراض” إلى “خانة الفعل والمشاركة”، وهذا الانتقال يفترض أن ينعكس سردياً عبر تحول الشخصية الروائية من “ضحية سلبية” إلى “ذات فاعلة”. والخلل الذي كشفته وجدان الدجين في نقدها لـ “للخطاب الاعتذاري” يعود في جوهره إلى “عطالة إبداعية”، حيث لا تزال بعض الكاتبات متمسكات بنبرة “الضحية” رغم تغير الواقع، مما يجعل النص يبدو “متأخراً زمنياً” (Anachronistic) عن واقعه المعاش. منحت الرؤية الكاتبة السعودية “الحرية الفيزيائية”، وحان الوقت أن تمارس “الحرية الجمالية” أي القدرة على خلق عوالم روائية لا تستمد قيمتها من “كسر التابو”، بل من “جماليات” العمل السردي. تؤكد الدجين في نهاية مقالها أن هذا الخطاب التبريري هو العائق الأكبر أمام تطور الرواية النسائية السعودية، فالقارئ يتعاطف مع “القضية” لمرة واحدة، لكنه ينحاز دائما إلى جودة “الفن” الروائي، وتجاوز “فخ الاستعطاف” يبدأ حين يتقدم النص ليعبر عن الذات، ولا تتحدث الذات عن النص. في عصر التمكين، لم يعد العالم ينتظر من الكاتبة السعودية أن تخبره “كيف تعيش؟” (سرد إثنوغرافي)، بل أصبح ينتظر منها أن تخبره “كيف تدرك الوجود؟” (السرد الكوني)، بعيداً عن خطاب الاستعطاف الذي لم يعد له مكان في مجتمع يتحرك نحو المستقبل بسرعة فائقة.