كاتب سعودي وكاتبة أرجنتينية في كتابة مشتركة..
“بلاد البلاتا”.. حين تتحول المصادفة الثقافية إلى كتابٍ يجمع قارتين.
ليست كل كتب الرحلات تُكتب بدافع السفر، فبعضها يولد من لقاءٍ عابر يترك أثرًا أبقى من المكان نفسه. هكذا جاء كتاب «بلاد البلاتا»، ثمرة لقاءٍ جمع الكاتب السعودي حسين الغامدي بالكاتبة الأرجنتينية أدريانا فووك في معرض بوينس آيرس الدولي للكتاب، ليقدّم نصًا مزدوج الصوت، يتأرجح بين دهشة الزائر وتأملات المضيفة، ويطرح - ضمنيًا - سؤالًا ثقافيًا أوسع: هل تكفي الكتابة الوجدانية لبناء جسرٍ حقيقي بين الثقافات، أم أن اللقاء الإنساني يظل أجمل من أي محاولة لتفسيره؟ لا يقدّم كتاب «بلاد البلاتا» نفسه بوصفه أدبَ رحلاتٍ تقليديًا، ولا كسيرةٍ ذاتية مكتوبة بصوتٍ واحد، بل كمساحة حوارية بين ثقافتين، نشأت من لقاءٍ عابر في معرض بوينس آيرس الدولي للكتاب، ثم تحوّلت - بوعيٍ سردي - إلى مشروع كتابة مشتركة بين الكاتب السعودي حسين الغامدي والكاتبة الأرجنتينية أدريانا فووك. ومنذ الصفحات الأولى، يعلن العمل انحيازه إلى التجربة الإنسانية أكثر من انشغاله بالتوثيق السياحي، وهو ما يمنحه خصوصيته، لكنه يضعه أيضًا أمام اختبارٍ نقدي واضح: هل استطاع أن يتجاوز الانطباعية إلى بناء رؤية ثقافية أعمق؟ في مقدمةٍ كتبتها الكاتبة الأرجنتينية أدريانا فووك، نقرأ اعترافًا إنسانيًا بسيطًا وعميقًا في آنٍ واحد: «هناك لقاءات لا يمكن شرحها… بل تُحس»،(ص4). هكذا تصف لحظة لقائها بالكاتب السعودي حسين الغامدي في معرض بوينس آيرس الدولي للكتاب، مايو 2025، حيث كانت (الرياض) ضيف شرف المعرض. حسين كاتب عربي، وأنا كاتبة أرجنتينية. عالمان مختلفان، لكننا وجدنا لغةً مشتركة: لغة الكلمة المفعمة بالإحساس، والإصغاء الصادق، والرغبة في بناء شيء يتجاوزنا نحن الاثنين. «وصل حسين بعينين مفتوحتين على الدهشة، يترك لكل زاويةٍ في بلدي أن تمسّه: المناظر، اللهجات، الروائح، الإيماءات…». «بين الزائر والمضيفة، بين الدهشة والذاكرة، وُلد هذا الكتاب» (ص4). ما قبل رحلة الكتاب: «دعوني أعود للبداية؛ عندما تلقيت اتصالًا من (شركة خيوط الثقافة) - والحديث لحسين - أبلغوني أنني مرشح لإلقاء محاضرة في معرض بوينس آيرس للكتاب، المعرض الذي خصص جناحًا مستقلًا للرياض وأطلق عليه (الرياض ضيف شرف)؛ وافقت على الفور، ولم أتفاجأ، فقد سبق ذلك مكالمةً مع رئيس جمعية الأدب المهنية عبد الله مفتاح، وتطرقنا لمواضيع متعددة، من ضمنها أن الجمعية بصدد ترشيح عدد كبير من المثقفين للمشاركة في معارض الكتب التي تقام خارج المملكة» (ص12). جاء الكتاب (الدافئ الجميل) في جزأين، حوى 16 فصلًا، كُتبت بالتنسيق بين الكاتبين؛ كل كاتبٍ سال قلمه وإبداعه التدويني في 8 فصول. أولها - بعد مقدمة أدريانا - للكاتب السعودي، ويحمل عنوان: «الطريق إلى بوينس آيرس»، ذكر فيه معرفته البسيطة عن عاصمة الأرجنتين، ومتعة المشي فيها بالساعات تحت المطر، والتلذذ بقطراته، وسهولة صناعة الصداقات، وبناء اللغة المشتركة، والمودة المتينة والذكريات، وتعدد الأعراق والأصول والثقافات، وتحيات الصباح، وإيماءات الشكر، وتلويحات الوداع، والمتة والقهوة الساخنة، وفقراتٍ متلاحقة في شغفه بهذه المدينة، والرغبة الكبيرة في تمديد رحلته من خمسة أيام إلى شهر، يقضيه في التجوال بين المدن الأرجنتينية وجبالها وأنهارها ومصافحة الضباب. الفصل الثاني: «الرياض ضيف شرف»، تحدث فيه الكاتب عن جهود المشرفين السعوديين الذين استقبلوه: (المشرفة بشائر، والأنيق وليد الخنيفر)، ورتبوا له ولزملائه وباقي المثقفين الذهاب إلى معرض الكتاب وأجوائه، ووفود طلاب المدارس، والشعب الأرجنتيني الذي يُقبل على مثل هذه الفعاليات بوعي ورقي ومحبة للثقافة. وصف الكاتب جناح الرياض: «جناح مميز، مكتوب باللغة العربية (الرياض ضيف شرف)، الجناح واسع، مكون من دورين، المكتبات الكبرى حاضرة: مكتبة الملك فهد الوطنية، مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، مجمع الملك سلمان للغة العربية، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ممثلون من وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، وزارة الثقافة، هيئة الأدب والنشر، وقاعة المحاضرات بجوارها تقع ثلاث ممرات جميلة في تصميمها ذات زجاج من ثلاث جوانب؛ العابر سيدرك أن الندوة متاحة لمن أراد أن يشارك» (ص23–24). «الجناح به دور علوي يستخدمه العاملون، وجميعهم سعوديون، إعلاميون وفنيون منتجون؛ يحضر التمر وتحضر القهوة السعودية، وتحضر نورة الأرجنتينية وابنتها ميمونة المسلمتان، تحضران يوميًا ومعهما معمول التمر الذي أعدته في منزلها بالطريقة السعودية، يوزعان على الوفد السعودي، تدهشني ميمونة… تحضر يوميًا مرتدية عباءتها، تتحدث الإسبانية والإنجليزية…»(ص25). وتضمن هذا الفصل - أيضًا - استعدادات حسين الذاتية لتقديم ورقته التي سيشارك بها ضمن ندوات الجناح في المعرض، والتي كان جوها العام هو ما وُلدت فيه فكرة كتابة هذا الكتاب باقتراح من شريكته فيه (أدريانا فووك)، وإعجابه بالفكرة وموافقته المباشرة، والبدء بالتأسيس لها من خلال تبادل المقترحات بينهما بعد عودته إلى بلاده السعودية. الفصل الثالث: «مركز الملك فهد الثقافي الإسلامي»، وخصص الكاتب هذا الفصل للحديث بإسهاب وعناية ودقة وصف وشعور تجاه مركز الملك فهد الثقافي الإسلامي في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، وقصة تقديم أرض هدية من الرئيس الأرجنتيني السابق كارلوس منعم للملك فهد تعبيرًا عن صداقته له حين قرر زيارة المملكة العربية السعودية. وفي الفصل الرابع: «مثقفون سعوديون في بوينس آيرس»، ذكر الغامدي أسماء بعض المثقفين السعوديين الذين رافقوه في الرحلة: من سبقهُ منهم ومن كان معه على نفس خطوط الطيران، وأوراقهم التي سيشاركون بها في الندوات، وجولاتهم في شوارع العاصمة، والتعرف على ثقافات وتقاليد وعادات الإنسان الأرجنتيني، وطبيعة تلك البلاد؛ وشغف أهلها بالاحتفالات والمهرجانات والكرنفالات، ومارادونا وكرة القدم، وعشقهم لها، وللفنون، والمعارض، والمتاحف، والحياة، والأمل كذلك. وفي الفصل الخامس: «أوشوايا، نهاية العالم» يذكر: «أوشوايا بلدة صغيرة في أقصى جنوب الأرجنتين، تكسوها الثلوج وتشُقها الأنهار، تحدها المحيطات والمرتفعات التي تقع على مشارف القطب المتجمد الجنوبي، يفد إليها السياح من مناطق كثيرة من أنحاء العالم».(ص57) ثم الفصل السادس: «وعورة الطريق إلى بلد الشعراء»، يصف فيه رغبته في زيارة تشيلي، البلد المتاخم للأرجنتين غربًا، على شكل سلسلة طويلة من الأرض المستقيمة ذات التنوع المناخي الباهر. وفي الفصل السابع: «روزاريو مدينة ليونيل ميسي»، يأتي على تفاصيل من زيارته لها، يصف فنادقها وناسها وشوارعها، واللقاء بأصدقائه رودريغو وإلخاندور اللذين خدماه في تلك المدينة، وكانا معه كظله في تلبية احتياجاته التي تكون اللغة حاجزًا عن تبيانها منه. الفصل الثامن: «رياح الأطلسي»، وهو الفصل الذي يتعلق برحلة العودة ومحطات التوقف واستعادة لحظات الدهشة والعيش بها. كما تحدث فيه عن تاريخ الأرجنتين وأهمية موقعها الجغرافي، والأساطير لدى سكانها، وجانب من إنجازاتها في التنمية الاقتصادية والثقافية والعمرانية، وبالتأكيد كرة القدم وأثر مارادونا على الناس ومحبتهم العظيمة له. الجزء الثاني: بلغة أدريانا فووك؛ ثمانية فصول تسيل شاعرية ولغة متوقدة بالحميمية للمكان، والفلسفة مع الأشياء والزمن والناس؛ فسّرت فيها حتى معاني الروائح المبتلة بالمطر وما تنقله الرياح معها، وثلج أوشوايا، وخبز العجائز حينما يأتي طازجًا في صباحات شتاء مدن بلادها، والرصيف المبتل أيضًا لم يسلم من توصيفها، وينحني تجاهها بمعنى خاص. بدأت أدريانا الجزء الثاني الخاص بها بفصلٍ أول ارتضت له عنوانًا: «المدينة قبل اللقاء». تحدثت فيه عن الرياض وجغرافيتها ومعالمها الحضارية وهوائها، ثم جدة وبحرها ونسيمها، وبعد ذلك تنطلق في ذكر محاسن ومباهج وناس بوينس آيرس، عاصمة بلدها. وفي جزء خاص من هذا الفصل تصف مشاعر حسين بعد قدومه، وجانبًا من تنشئتها وحياتها، وكذلك معلوماتها عن حسين وحياته وتعليمه وشيئًا من مشواره الثقافي. الفصل الثاني كان عنوانه: «الجذور، الإيمان، والشغف الأرجنتيني». لخّصت في سطوره بقولها: «إن الأرجنتيني لا يمكن شرحه، بل يجب الشعور به؛ إنها مزيج مكثّف من الفخر والحنين، من الغضب والأمل، تنعكس في طريقة عيشه بقلب مكشوف وكلمة حاسمة، وعاطفة ترتسم على الوجه، هوية عميقة متناقضة لكنها حية دائمًا. كنت سأخبره أنه لا توجد أرجنتين واحدة، بل أرجنتينيات كثيرة» (ص125). وتتابعت فصول الجزء الثاني:الفصل الثالث: «مناظر طبيعية، موسيقى، واحتفالات»، الفصل الرابع: «الشوارع، الروائح، الإيماءات»، والفصل الخامس: «الناس وأرواحهم». وكلها تشير فيها الكاتبة إلى طبيعة الحياة في بلدها، وعادات أناسها بأفراحهم وثقافتهم وسلوكياتهم وأغنياتهم، وطبيعة بلاد البلاتا؛ حيث كل شيء هناك مكثف: الخضرة، الضجيج، الضباب، والمشاعر. ثم في الفصل السادس جاء العنوان: «من روزاريو إلى أوشوايا»، وتبدو صورتها الشخصية ظاهرة في صفحته الثانية، وهي على متن سفينة ممسكة بحاجز حديدي أبيض، مائلة، خلفها علم الأرجنتين، والريح تلعب بشعرها، ومن خلفها يبين للناظر منظر خلاب لجبال عظيمة تكسوها الثلوج التي يحفها الضباب من كل جانب. وفي الفصل السابع: «التحديات والآمال»، عن آمال وتطلعات وأحلام الإنسان في تلك البقعة من الأرض التي تجمعها الروح الأرجنتينية، وأثر القيم العريقة والحياة الحديثة. الفصل الثامن والأخير من الجزء الثاني - السادس عشر من الكتاب - حمل العنوان المصاغ بنبرة حادة الكثافة والرقي والود والحميمية: «جسور بين الثقافات والحلم الذي يجمعنا». وتحدثت فيه الكاتبة عن اللقاء الأول بحسين، وولادة فكرة الكتاب، وفضاءات معرض الكتاب المعرفية، ورأيها في جناح الرياض تحديدًا، وما يمثله من أنه لم يكن جناحًا فقط: «بل كان كونًا مصغرًا داخل المعرض… من بعيد يلفت النظر بتصميمه الهادئ والمنسجم، وألوانه الدافئة، وأشكاله الأنيقة، وعمارة تذكّر بأماكن بعيدة… كان عبق المكان مزيجًا من البخور والقهوة المهيّلة ورائحة العود يوقظ الحواس جميعها» (ص187). وفي نهاية الكتاب خطَّ حسين الخاتمة، جاء فيها بشيء من تاريخ الأرجنتين وأصل مسمى (بلاد البلاتا) وتركيبه اللفظي، و كان الجزء الأكبر من الخاتمة حول الخطوات العملية التي قام بها حسين وأدريانا نحو تحويل اللقاء إلى كتاب، بعد مروره بفكرة خلاقة بدأتها أدريانا، حملت معها تفصيلات المثاقفة وأثرها الحضاري في تعزيز تواصل الشعوب وتبادل الثقافات. وقبل الخاتمة بصفحتين خُصصت صفحة لتسلسل هذه الفصول وُسمت بـ«المحتويات»، أما الصفحة الأخيرة ذات الرقم (199) ففيها «نبذة عن المؤلفين»؛ قلمان مبدعان صبّا ثقافتهما ومشاعرهما وأسلوبهما ودهشتهما وحبهما العميق للثقافة والسياحة والكتابة ؛صبًّا رقيقًا عذبًا منسجمًا متناغمًا؛ كأحسن ما تكون المشاعر والسطور والتبادل الثقافي والوفاق الإنساني في تجليات جوهره. في أواخر الكتاب يعود الغامدي إلى دلالة اسم «بلاد البلاتا»، مستعيدًا الخلفية التاريخية ومراحل تحول الفكرة إلى كتاب، وكأن النص يذكّر قارئه بأن أهم ما في الرحلة لم يكن الأمكنة، بل ما نشأ بينها من جسور. يمكن القول إن «بلاد البلاتا» ينجح بوصفه تجربة كتابة مشتركة نادرة عربيًا، تكشف كيف يمكن للثقافة أن تبدأ من مصادفة، وأن تتحول - حين تجد الإصغاء الكافي - إلى نصٍ إنساني مفتوح. كتاب لا يبحث عن الاكتمال بقدر ما يحتفي باللقاء نفسه، بكل ما فيه من دهشة، ونقص، واحتمال. في نهاية «بلاد البلاتا» لا يشعر القارئ أنه أنهى كتابًا عن الأرجنتين أو عن رحلة كاتب سعودي بقدر ما يشعر أنه خرج من تجربة إنسانية مشتركة، كتبتها عينان تنظران في اتجاهين مختلفين نحو المعنى ذاته. فالقيمة الحقيقية للعمل لا تكمن في ما قدّمه من معلومات أو أوصاف، بل في قدرته على التقاط لحظة التقاء نادرة، حيث تصبح الثقافة مساحة تعارف لا تعريف، والكتابة وسيلة إصغاء قبل أن تكون وسيلة قول. وبين دهشة البدايات وهدوء الخاتمة، يترك الكتاب سؤالًا مفتوحًا: ربما لا تصنع الكتب الجسور بين الشعوب بقدر ما تكشف أنها كانت موجودة منذ البداية، تنتظر فقط من يعبرها بالكلمة.