الحُمى مؤلفًا مشاركًا في (سيرة حُمى) لخالد اليوسف..

سيرة المرض في كتابة بديلة.

تسعى هذه القراءة إلى مقاربة رواية (سيرة حمى) للكاتب السعودي خالد اليوسف، من زاوية تنتمي إلى حقل (أدب المرض) وهو نمط سردي يقوم على وصف تجربة المرض من الداخل والخارج، مع التركيز على تحويل الحمى من موضوع عرضي إلى مكون سردي فاعل، ومؤلف مشارك يفرض إيقاعه السردي، وتمثيله داخل النص؛ فالأعراض الجسدية والنفسية للمرض تعد طرفًا فاعلًا في إنتاج النص، لا مجرد انعكاس لبعض أحداثه. ويُظهر هذا النمط السردي كيف يُعيد المرض تشكيل العلاقة بين الإنسان وذاته، وفي أفق أبعد، وهنا تبدو الرواية لا بوصفها توثيقًا طبيًا، أو بوحًا ذاتيًا فحسب، بل تحول المرض إلى صوت سردي، له كيانه، ويغدو متحكمًا في ذاكرة الشخصية الرئيسة (الدكتور خزيمة)، كما يعيد تشكيل علاقتها بالعالم، ويكتب بها نصًا هجينًا بين المذكرات، واليوميات الوبائية، والقصص القصيرة، والأخبار والحكايات ذات الامتداد التراثي. وتهدف القراءة إلى تحليل البنية الميتاسردية للرواية، وتفكيك آليات تطعيمها بالأنماط التراثية من الأخبار والحكايات، ومقارنة استدعائها للوباء بطرائق السرد العربي القديم، مع إبراز تعدد الأصوات، وسيميائية التسمية، ودور الحُمى في تأسيس الكتابة من الداخل. وأعني بالكتابة البديلة ذلك النمط السردي الذي لا يتقيد بالأشكال التقليدية أو المهيمنة في الكتابة، وغالبًا ما تُنتج هذه الكتابة في ظروف استثنائية مثل: المرض، والسجن، والعزلة، والصدمة، والحرب، والهامش الاجتماعي، أو السياسي، أو الجندري. وقد تتداخل فيها الأجناس الأدبية من: يوميات، ورسائل، وشعر، وتأملات، وقصص قصيرة. وحين أقول إن رواية (سيرة حُمى) تمثل كتابة بديلة فإني أعني بها هذا المعنى، وهي كتابة خرجت من سياق وباء عالمي(كورونا)، ومزجت بين القصة القصيرة، والتوثيق الوبائي، والشعر، والموروث التاريخي، والتأملات، ومثلت نصًا تُستعاد فيه التجربة الجسدية والنفسية للمريض قبل المرض، وأثنائه، وبعده، خارج سياق السرد البطولي. وهو مفهوم ديناميكي مفتوح يظل استخدامه مناسبًا لوصف الكتابة الهجينة ذات الطابع الجسدي والذاتي، والمتأثرة بالموروث أيضًا. ويؤسس عنوان الرواية (سيرة حُمى) لرؤية مختلفة؛ فالعنوان لافت لدخوله ضمن شكل أجناسي يتداخل مع الرواية، وهو جنس السيرة، وكيف يُشخص المرض أو حتى أحد أعراضه لتُكتب سيرته لا سيرة الإنسان، وهذا التوجه في العنونة الذي يعتمد سيرة المرض نفسه لا سيرة الشخصيات التي تُصاب بالمرض، مؤشر مهم على تحول التفكير في الوباء والمرض من الإطار الذاتي الخاص إلى الإطار الجمعي، وكأن الرواية تكتب سيرة الوباء، وكأن الحمى طور من أطوار سيرته الكبرى، أو كأن للحمى سيرة طويلة مع الأوبئة والأمراض، وكورونا طور من أطوار سيرتها. ويتشكل العنوان من بنية تركيبية مكثفة، ومفارقة؛ بنسبة السيرة إلى كائن غير بشري (المرض أو أهم أعراضه)، وهذا يعني- من جهة ثانية- أن الحمى ليست موضوعًا خارجيًا للرواية، بل هي ذات شريكة في السرد، تتحكم به، وتعيد تشكيله، وبما يعكس نقل مركز الثقل السردي من الإنسان إلى المرض، وكأن المرض يسرد ذاته أو نفسه من جسد الإنسان لا العكس. كما تمزج هذه البنية التركيبية بين جنس السيرة بما يحمله من إيحاءات ذاتية- على الأغلب- سواء ارتبط بسيرة ذاتية أو حتى غيرية مادامت الذات تكتب عن نفسها، أو غيرها من منظور الذات نفسها، وبين الحُمى بوصفها عرضًا مرضيًا، وظاهرة جسدية ونفسية، غير أن هذا التداخل ليس تداخلًا لغويًا فقط، وإنما يتعمق سرديًا ليطرح أسئلته: من يروي؟ الإنسان أم المرض؟ ففي لحظة ما، تتسلل الحمى بوصفها راويًا متخفيًا يفرض إيقاعه على النص وشخصياته. والعنوان من منظور سيميائي، يعيد تشكيل مفهوم السيرة بتشخيص الحمى وتحويلها إلى ذات فاعلة، ومن منظور سوسيولوجي، يعيد ترتيب العلاقة بين المرض والمجتمع، كاشفًا عن أن الحُمى ليست حالة طبية طارئة، بل هي لحظة ثقافية، وتاريخ شخصي/ جماعي يستحق أن يُروى. وتمثل الحُمى عنصرًا مركزيًا في الرواية، وتتجاوز بعدها المباشر لتصبح حالة وجودية ونفسية ترافق الشخصية الرئيسة، وتكشف عن أبعاد القلق والاضطراب، والتحول في المكان والذاكرة. كما تغدو عتبة سردية، وفلسفية، وجمالية في الرواية. ولا تظهر الحُمى بوصفها ارتفاعًا في درجة الحرارة فحسب، وإنما تتحول إلى علامة على حمى السؤال، وحمى الوعي، وحمى الحنين، مرتبطة بالتحولات الاجتماعية والمكانية. ولم تكن الحُمى بعيدة عن الشخصية؛ فقد كانت تتلبسها، وهذا ما يجعل الرواية تنتمي إلى ما يمكن تسميته بسيرة الحمى/ سيرة الشخصية، فالحمى ليست عرضًا يروى، وإنما هي ذات تسرد. والسرد لا يكتب عن الحُمى فحسب، بل يكتب بها، ومنها، وربما يكتبها. وهنا يتماهى السرد مع المرض، والمرض مع الهوية، فيتحول النص إلى سيرة مزدوجة: لشخصية ولحُمى تسكنها. والرواية بذلك تقترب من شكل (السيرة الثقافية) التي تسجل تحولات ذات كاتبة في علاقتها بالمكان، والوباء، والكتابة، والآخرين. لا سيما أن السيرة لا تُروى من موقع مريض منذ البداية، بل من موقع مؤرخ محموم، وجاءت إصابته بالمرض متأخرة، لتشكل الرواية تقاطعًا بين سرد المرض وسرد الثقافة، وتتحول الحُمى من عرض جسدي إلى وسيط معرفي يعيد تشكيل العلاقة بالمكان، والزمان، وباللغة نفسها. والحُمى بوصفها مؤلفًا مشاركًا لا تجعل الرواية تُدار من ساردٍ واحد، أو أكثر من سارد، وإنما تجعلها تتشكل تحت وطأة الحُمى وهي تقطع السرد، وتغير الإيقاع، وتفرض الانعزال، وتحرض على الكتابة؛ فهي مؤلف خفي يعيد تشكيل بنية الرواية، ويدفع الكاتب إلى إنتاج كتابة بديلة، فتخرج الحكاية من الجسد المحموم، وإن عادت إلى ما قبل الحمى، وامتدت إلى ما بعدها. وحين أجعل الحمى مؤلفًا مشاركًا فأنا لا أتحدث عن إضافة اسمها على الغلاف بهذه الصفة، وإنما عن قراءة الرواية بوصفها نتاجًا مشتركًا بين الذات الكاتبة (خالد اليوسف) والحالة الجسدية والنفسية، التي تمثلها الحُمى التي تحولت من موضوع للكتابة إلى قوة فاعلة في النص الروائي نفسه. وإذا كانت أدبيات المرض تركز على أن الجسد لا يكون موضوعًا في النص فحسب، بل يكتب النص نفسه؛ فإننا هنا سنأخذ هذا المفهوم إلى مستوى أبعد؛ فالجسد حين يحترق بالحُمى ينتج سردًا خاصًا به. وهكذا لا يُبنى صوت الرواية على ساردٍ واحد يروي تجربة مرضه؛ فقد يظهر بوصفه جسدًا وعقلًا يتكلم بأكثر من صوت، تارة بصيغة(أنا) التي تحلل وتستذكر وتصف، وتارة بصيغة(أنت) التي تحاكم وتراقب وتكشف، وهكذا تنشأ كتابة تتكئ على حوار محموم بين صوت الجسد والعقل للذات الكاتبة، والذات الساردة، والصوت الآخر، صوت (الحمى). وفي امتداد لحضور المرض(الحمى) مشاركًا في التأليف، تحضر كورونا والحُميات القادمة من الصين وبلاد فارس في السيرة، لا لتُقرأ بوصفها تحديدًا وبائيًا، بل جغرافيا رمزية للقلق البشري؛ إذ تتحول الحُمى إلى كائن يتنقل في الخرائط، لكنه لا يصيب الجسد فقط، بل يحرض الذاكرة، ويعيد ترتيب العالم في وعي الإنسان المُحاصر، وهكذا لا تُكتب سيرة ذاتية للمرض، وإنما سيرة جماعية للخوف، والعدوى، وخرائط الانكشاف النفسي التي تصور أثر العزلة، والقلق، والخوف، وغيرها. وتنعكس حالة هذيان الحمى على هذيان السرد نفسه، وهذيان السارد حين يقول:” بين اليقظة والنوم شعرت أنني أنا خزيمة العبدالله أحتاج كثيرًا إلى الكلام، وأحتاج أن أتحدث عن نفسي، وعن رحلاتي، وعن هواجسي، وعن أولادي، وعن زوجتي، وعن عائلتي الأكبر”(ص189) وتشكل رحلة خزيمة وصديقه ومن معهم إلى الصُمان لحظة ما قبلية (قبل تفشي الحُمى) تتقدم زمنيًا على المرض/ الحمى، وتفشي الإصابات، وقرار العزلة، لكنها من الناحية الفنية لا تنفصل عن الرواية؛ إذ تمثل أساسًا جماليًا يغذي السرد اللاحق، ويضفي عليه نغمة حسرة ضمنية. لقد استدعى خزيمة المكان من كتب الشعراء، لا من خرائط الجغرافيين وكتب التاريخيين، يقول في ذلك” أرض (الصمان) هو بحثي الجديد، لن أدرسه جغرافيًا؛ فالجغرافيا لها أبواب وفروع واسعة لا تخفى على أحد، ولن أدرسه تاريخيًا؛ وكتب التاريخ جميعها منذ العصور الأولى قد كتبت عنه وبحثت فيه، بل ربما أستفيد من الشعراء الذين خلدوا معظم معالمه”(ص55)، فكانت رحلته فعلًا تأمليًا شعريًا في الذات والمكان، سابقة للتحول الجسدي، وهذا ما يجعل الصُمان نقطة استقرار سردي، تسبق زمن التمزق، لكنها تظل حاضرة بوصفها مرجعًا مفقودًا، وحنينًا إلى عالم اتسع قبل أن تضيق به الحُمى. ينتقل بعدها إلى الطائف بعد رفع الحظر هاربًا من الوباء، ولعل أكثر ما يلفت النظر في رحلة الهروب من الوباء إلى قلبه، هذه الرحلة من الرياض نحو الطائف للهروب من ضغط كورونا، وتبعات العزلة والحظر إلى أحضان الطبيعة” تريدان أن تشعرا بالحياة الطبيعية بعيدًا عن وباء كورونا، وما خلفه في الكون من آثار تتجدد كل ساعة، وتريدان البعد عن أي اختلاط أو مخالطة أيًا كانت، إلا ما اضطررتما إليه في هذه الرحلة، وكان الحذر هو عنوانكما في الخطوات جميعها”(ص151) ثم حدوث مفارقة الإصابة بالمرض التي ابتدأت بالحُمى، لتتحول الرحلة من بحث عن الحياة إلى وقوع في المرض. وتتحول الطائف التي حسبها الصديقان فضاء للعافية والهدوء إلى أرض سقوط، في مفارقة وجودية وسردية تجمع بين تبعات أدب الرحلة، وأدب المرض. ولا تنحصر تجربة الحُمى في الجسد وحده؛ إذ توزع الرواية أعراضها بين الجسد، والمكان، والذاكرة. تبدأ الحُمى مجازًا في الرياض حين تنقلب الحياة العامة إلى قلق جماعي، وتغلق المدينة في وجه العادة والتواصل، ثم تعود الذاكرة مرة بعد مرة إلى الصُمان، والصحراء النجدية بوصفها استعادة للحرية السابقة، قبل أن تحل الطائف مسرحًا للحمى الواقعية، والمرض الفعلي، ولتجربة محتملة للكتابة تخرج من العزلة. وهكذا تصبح الحُمى كائنًا روائيًا متنقلًا، يسكن الأمكنة، ويحولها من مجرد فضاءات إلى مكونات فاعلة في تجربة السرد والتحول. وتقوم الرواية على تطعيم أسلوبي لافت يجمع بين أخبار تراثية يرويها(المسعودي) بما يتجانس مع لقب الكاتب الذي لم يشتهر به(المسعود) وما يثبت المزاوجة بينه وبين(المسعودي) العالم، والمؤرخ، والجغرافي، والرحالة في هذه الصيغة من الرواية” حدثنا المسعودي قال: روى أبو الهيثم خالد بن أبي عبدالرزاق أحمد المسعودي، وهو ممن يكتب القصص والروايات، ويؤرخ للرجال، وللسير، وللببلوجرافيات، وله في هذا كتب ومصنفات”(ص60)، وهناك قصص قصيرة متداخلة مع السرد، وقصائد شعرية معاصرة تخفف من وطأة السرد، وتفتحه على التأمل وجماليات الشعر. كما أن هذا الانفتاح الأجناسي يجعل الرواية بنية فسيفسائية تشبه الحُمى نفسها، متقطعة، وحائرة بين الواقع والذاكرة، وبين السخرية والجد. ولأنها تستحضر الحُمى نفسها؛ فإنها تعضد فكرة أن تكون الحمى مؤلفًا مشاركًا في هذه الرواية. ويأتي تضمين (سيرة حمى) لقصص قصيرة جزءًا من إستراتيجية كتابة الذات بالتعدد، فالشخصية الرئيسة/ السارد في بعض المواضع، لا يكتفي بأن يكون ساردًا أو شخصية روائية فحسب، بل يظهر أيضًا بوصفه كاتبًا ينتج سردًا داخل سرده، وبتعبير السرد الذي يأتي بصيغة المخاطب” صنعت لنفسك أفقًا أدبيًا مختلفًا، مستفيدًا من عالمك التاريخي والأثري لتكون لك بصمة قصصية خاصة”(ص38). وترد من بين القصص قصة(الحُمى) التي تؤرخ لعام 1441 لتكون بيانًا سرديًا تصدره الحُمى عن نفسها بصوت الكاتب خزيمة نفسه، فالحُمى هنا ليست معاناة، إنها قوة تأليفية تكتب النص بطريقتها. ورغم أن تجربة الحُمى لا تشغل النص كاملًا، فإنها تؤسس له، وتبقى كامنة في نسيج اللغة، وتحركات السرد، فتُشكل النص بوصفه امتدادًا للحالة المرضية، لا عرضًا لها فقط. وفي هذا الموضع من الرواية، لا تُقدم الحمى بوصفها تجربة مرضية فقط، وإنما تُروى بوصفها قصة قصيرة مشبعة بالروح القديمة، وتقنيات الأخبار التراثية، وحينها تُشخص الحمى، وتُمنح صوتًا وصورة، ويُبنى حولها مشهد يشبه ما نجده في كتب الأخبار، والحكم، والمقامات. هذا التوظيف يعد إستراتيجية سردية تحول الألم إلى مادة قابلة للتأمل، والقراءة، والتشكيل الجمالي. وإن كانت تظهر بوصفها جذرًا سرديًا مستقلًا داخل سيرة حمى، لكنها لا تنفصل عن جذعها الروائي؛ فهي شهادة شخصية مغلفة بلغة الحكاية تنتمي إلى أدب المرض، وتحول تجربة كورونا إلى نص حي يحاور القارئ. كما أن توظيف القصائد الشعرية المعاصرة مكون عضوي من النسيج السردي، يمنح الرواية بعدًا إيقاعيًا وتشاركيًا، ويجعل من تجربة المرض تجربة شعرية-سردية مزدوجة. كما يحيل إلى حالة احتفاء بالشعر والشعراء بتعبير السارد” الشعر هو الشعر، وهو اللغة التي لا تُطال. أما الشعراء فهم أنبياء ورسل البيان، وهم الشعراء المتفردون في اصطياد صورهم، وعوالمهم، وأحوالهم... فكثر قولهم مخلدًا لحُمى الصين الجائحة”(ص107). ويأتي تطعيم سيرة حمى بالأسلوب التراثي في القص والأخبار لا مجرد تزيين لغوي، أو ادعاء معرفي، بل هو بنية مضمنة داخل السرد، تؤسس لحوار خفي بين الذاكرة الثقافية العربية، والزمن الوبائي الحديث؛ حين تستند الرواية على قص الحكايات كما كان يفعل الحكاؤون الأوائل، محولة الحُمى من تجربة فردية إلى حكاية تُروى، وتُستعاد في ذاكرة جماعية. ومن اللافت في الرواية أنها توثق الوباء المعاصر(كورونا) بلغة موازية للواقع، وبما يقربها من سرديات الوباء في كتب التاريخ والتراث؛ حين توثق مواقف من حظر كورونا، وسخرية نساء من أزواجهن وقت الجائحة(ص88 وما بعدها)، وأخبار الناس وهم يتندرون على الفيروس، وإعادة إحياء الذاكرة الوبائية لنجد؛ باستعادة مرويات تقليدية عن الأمراض والأوبئة التي عصفت بالمنطقة” نجدٌ يا بني ليست كأية أرض أخرى، لعبت فيها الأوبئة والأمراض الفتاكة لعبها”(ص83)، واستحضار الحمى القادمة من الخارج، وكأنها ضيف ثقيل يحل على الجسد النجدي ، لكن هذا التوثيق ليس توثيقًا علميًا، وإنما يبدو أدبيًا تأمليًا، ورمزيًا، وساخرًا أحيانًا، مما يُرسخ أن الحُمى ليست مادة للرثاء، واستعادة الألم والحزن فحسب، بل تجربة كونية يُعاد سردها بلغة محلية. ولا تبتعد سيميائية الأسماء عن هذا النفس التراثي كثيرًا (خزيمة وحاتَم) لتعضد هذه السيميائية نمط السرد التراثي (حدثنا المسعودي) لتوثيق راهن معاصر؛ بما يوجد نوعًا من الانسجام الطريف بين الماضي والحاضر. وتقوم الرواية في جانب منها على الميتا سرد، وتعدد الأصوات، حين يتخذ الأستاذ الجامعي والكاتب من العزلة زمن الوباء فرصة للتفرغ للكتابة، لكن شخصيات روايته التي لم تكتمل تبدأ بمحاكمته أثناء استرخائه بحثًا عن حل مؤقت لمرضه، لكنه يعيش حالة هذيان بما يشبه هذيان الحمى نفسها يقول” لا أعلم ماذا يريدون مني، وأنا في هذه الحال المؤلمة، ولا قدرة لي على النقاش ولا على التحاور معهم”(ص196). ويتداخل معها صوت صديقه حاتم الذي يروي أحيانًا بصوت المتكلم، ويعلق على لغة خزينة التراثية، ويشكك في جدوى هذا الشكل السردي في زمن متسارع” وجدت في كتابتك ميلًا إلى التاريخ بصيغة الراوي للأحداث اليومية، وهذا ليس عيبًا منك، ولكن هل تتوقع في هذا الزمن أن يتقبل القارئ منك هذا الأسلوب؟”(ص131) كما لا يفصله عن تخصصه فهو بتعبيره” متخصص في علم الآثار وفي الأشياء القديمة”(9) ليأتي الرد بأن الظرف الطارئ ربما استدعى مثل هذه الكتابة” لم أختر هذا الأسلوب، ولكن هو الذي فرض نفسه علي، ولا أدري لماذا؟ ربما لأنني أردت أن أكتب توثيقًا للتاريخ، وللأجيال القادمة... إن الظرف الذي مررنا به استدعى سائر الأدوات الكتابية”(ص132) فتعليقات حاتم على مدى تقبل القارئ للأسلوب التراثي في نص روائي عصري تكشف وعيًا ذاتيًا من الكاتب نفسه تجاه تجريبه السردي. ويظهر هذا التعليق ليشكل لحظة تأمل ميتا سردي، فمن سؤال: هل يتقبل القارئ هذا الأسلوب؟ ينفتح النص على نقاش داخلي حول شرعية استلهام التراث في السرد المعاصر. إن هذا التعليق ليس تقويضًا للكتابة، بل إضاءة داخلية لتوترها بين الاستعادة والتجديد، وبين التراث والتلقي الحديث. كما يكشف عن وعي بالتجريب في الكتابة لدى الكاتب نفسه(اليوسف) والكاتب الذي اختاره ليكتب في نصه (د. خزيمة) الذي يتحدث عن المكتوب بقوله” هذا العمل مختلف، وربما يكون لي فيه أسلوب تجريبي جديد، في الاستفادة من مخزوني التاريخي”(ص57). هذا التنويع الصوتي يفكك سلطة السارد التقليدي الأوحد، ويجعل الحُمى، والمحيطين بالشخصية الرئيسة، والسارد المتعدد في بعض مواضع الرواية شركاء في السرد. وتمثل العلاقة بين خزيمة وصديقه أحد المكونات الأكثر إنسانية في الرواية؛ فوسط عالم محموم، ومفتوح على الأسئلة الجسدية والفكرية، تأتي هذه الصداقة لتمنح السرد لحظة دفء واتصال. إن حضور هذا الصديق بوصفه مستمعًا، أو مرافقًا، أو حتى مذكورًا في حكاية خزيمة، يمنح الرواية بعدًا اجتماعيًا يخفف من مركزية العزلة، ويعيد التذكير بأن المرض لا يقصي العلاقات بالضرورة، وإنما قد يعمقها. وهكذا، تمثل سيرة حمى نموذجًا سرديًا هجينا يتقاطع فيه أدب المرض مع استدعاء الموروث وأشكال الكتابة؛ حيث تتحول الحمى من عارض جسدي إلى صوت سردي مشارك، يزعزع استقرار النوع، ويعيد تشكيل الذات في لحظات العزلة والقلق، وبذلك، تتجلى الرواية بوصفها كتابة بديلة تعيد التفكير في السرد، والهوية، والزمن في لغة تستلهم الماضي، وتحاور الحاضر في آن واحد.