المعهد الملكي للأنثروبولوجيا..

مؤسسة جديدة لفهم الانسان السعودي وتحولاته.

جاءت موافقة مجلس الوزراء السعودي في 10 مارس 2026 على تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافيّة، في لحظةٍ ثقافيّةٍ شديدة الثراء، تتقاطع فيها جهود ومرتكزات التّطوير مع الحاجة الحثيثة إلى قراءة المجتمع قراءةً علميّةً دقيقة ومؤثرة تصنع الفارق وتلتقي فيها العناية والرعاية الجدية بالإرث الثّقافي السّعودي ورسم سرديّة وخطاب وطنيّ أكثر رسوخًا ووعيًا واتّصالًا بالناس وبالمكان وبالتحوّلات الكبرى التي تشهدها المملكة في ظلّ رؤية السعودية 2030.. ولعلّ كلمات وزير الثقافة عن هذا القرار خير شاهدٍ وخير دليل، عندما قال إنّ المعهد الجديد يستهدف أن يكون راويًا موثوقًا للثقافة السعودية الأصيلة، وأن يرسّخ موقع المملكة في حقل الدراسات المتّصلة بالإنسان والثقافة. وحين نقترب من لفظ الأنثروبولوجيا نفسه فإنّنا نقترب من جوهر المشروع الذي يقوم عليه هذا المعهد، لأنّ الكلمة ترجع في أصلها إلى اليونانيّة من مقطعين: Anthropos بمعنى الإنسان، وLogos بمعنى العلم أو الدراسة أو الخطاب المنظّم، فيكون معناها الحرفي علم الإنسان. هذا المعنى في تطوّره الحديث لم يعد يقتصر على توصيف البشر من الخارج، وإنّما أصبح يشمل دراسة أنماط العيش والعلاقات الاجتماعيّة والرموز، واللغة والطقوس والاقتصاد اليومي، والسرد الشفهي، وكلّ ما يصنع صورة المجتمع في عمقه الداخلي والخفيّ قبل أن يظهر على السطح في مؤسّساته وصوره العامّة المتعدّدة، ولهذا تُعدّ الأنثروبولوجيا اليوم من أكثر العلوم التصاقًا بفهم التحوّل الاجتماعي والثقافي، لأنّها تنظر إلى الإنسان في كلّيّة وجوده وكلّ أطواره وجوانبه. ولو عُدنا إلى تشكّل هذا العلم في بداياته لوجدنا اجتهاداتٍ كبرى تركت أثرًا بعيدًا في العلوم الإنسانيّة كلّها؛ فإدوارد تايلور وضع ما يُسمّى بالتعريف الكلاسيكي للثقافة حين عدّها ذلك الكلّ المركّب الذي يضمّ المعرفة والفنّ والأخلاق والقانون والعادة وسائر القدرات التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوًا في المجتمع، وبذلك نقل الثقافة من معناها الذوقي أو النخبوي إلى معناها الإنساني الشامل. ثمّ جاء فرانز بواس ليهدم كثيرًا من الأوهام التي ربطت الثقافة بالعرق، مؤكّدًا أنّ دراسة كلّ ثقافة يجب أن تنطلق من تاريخها الخاص وسياقها الخاص، وأنّ الحكم عليها بمعايير خارجيّة يفسد الفهم العلمي. ثمّ رسّخ برونيسلاف مالينوفسكي قيمة العمل الميداني، ورأى أنّ فهم الثقافة لا يتحقّق إلا بفهم وظائف عناصرها وعلاقاتها بعضها ببعض، في حين قدّم كلود ليفي ستروس قراءةً بنيويّةً اعتبرت الثقافة شبكةً من العلاقات والأنماط العميقة التي تنتظم الأساطير والقرابة والطقوس، ثمّ جاء كليفورد غيرتز ليمنح الأنثروبولوجيا بعدًا تأويليًا أعمق حين نظر إلى الإنسان بوصفه عالقًا في شبكاتٍ من المعنى هو نفسه الذي نسجها. هذه السلسلة الفكريّة تكشف أنّ الأنثروبولوجيا لم تكن علمًا في هامش العلوم، وإنّما كانت دائمًا في صلب السؤال: كيف نفهم الإنسان حين يصنع عالمه ويفسّره ويمنحه أبعاد المعنى وأغوار الحقيقة. وفي المجال العربي لا يبدو هذا العلم غريبًا عن تراثنا الفكري كما قد يتوهّم بعضهم، لأنّ ابن خلدون سبق إلى تأسيس رؤيةٍ عميقةٍ في العمران البشري جعلت الاجتماع الإنساني موضوعًا للدرس والتحليل، وبيّن أنّ التاريخ في حقيقته خبرٌ عن الاجتماع الإنساني وما يعرض لطبيعة العمران من الأحوال، وهي عبارة تكشف مبكّرًا وعيًا بمركّب الإنسان والمجتمع والاقتصاد والسلطة والعوائد والعلوم والصنائع، وهو وعيٌ يجعل مقدّمته من النصوص المؤسِّسة في تاريخ التفكير الاجتماعي العربي. وحين يقول أيضًا إنّ هذا الغرض مستحدث الصنعة عزيز الفائدة فإنّه يعلن منذ القرن الثامن الهجري عن شرعيّة حقلٍ ينظر في أحوال الاجتماع الإنساني من زاويةٍ مخصوصة، الأمر الذي يجعل استحضار ابن خلدون هنا استحضارًا لجدٍّ معرفي عربي سابق على كثير من المصطلحات الحديثة، وهو أمرٌ حقيقيّ في سبيل الإنصاف العلمي. أمّا في العصر الحديث عربيًا فتتمحور قيمة هذا الحقل في أعمال باحثين جادّين جعلوا الميدان والذاكرة المحليّة مركزًا للاستيعاب والفهم معًا، ويبرز أستاذنا الدكتور سعد الصويان بوصفه واحدًا من أهمّ من اشتغلوا على المرويات الشفويّة والثقافة الشعبيّة والأنساب والسوالف والقصيدة النبطيّة في الجزيرة العربيّة اشتغالًا غير مسبوق. يشير أستاذنا الصويان إلى عبارةٍ صريحةٍ في جوهر المشكلة حين قال إنّنا مقصّرون كلّ التقصير في توثيق هذا الموروث الشفهي الثري والأصيل، وربط ذلك بخطر اضمحلال الهويّة، كما أكّد في محاضراته أنّ القيمة العلميّة للمرويات الشفويّة تظهر من زوايا لغويّة وتاريخيّة وأثنوغرافيّة، وهو كلامٌ يكشف بوضوح أنّ التراث الشفهي وثيقةٌ للبحث، ومدخلٌ لفهم القيم والعلاقات والسلطات الرمزيّة وصيغ الوعي الشعبي بكافّة أشكاله. ويأتي اسم عبد الله حمّودي بوصفه من الأصوات التي دفعت نحو تأسيس خطابٍ أنثروبولوجي مستقلّ ينطلق من المجتمعات العربيّة نفسها ومن خبرتها الميدانيّة، وهي وجهةٌ تعزّز الحاجة إلى مؤسّساتٍ وطنيّةٍ عربيّةٍ قادرةٍ على إنتاج المعرفة من الداخل. إنّ الموافقة على تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافيّة تكتسب معناها الأبعد في أن يُفتح بابٌ واسعٌ أمام قراءة الإرث الثقافي السعودي في مستوياته المتعدّدة؛ كاللهجات والحكايات والسير والأمثال وأشكال الضيافة وطرائق السكن وعلاقات القبيلة والمدينة وفنون البحر والصحراء ومسالك التجارة القديمة ومواسم الاجتماع والأغاني والأزياء وصور العمل وأنماط التحوّل من الشفاهيّة إلى التدوين ومن المحلي إلى الوطني ومن التقليدي إلى الحديث. ويأتي هذا المشروع حرصًا وارفًا وغير مُستغرب من القيادة الرشيدة على أن يكون التّقدم والتجديدّ السعودي متّصلًا بجذوره وواعيًا بموروثه وقادرًا على أن يقرأ نفسه بعينٍ علميّةٍ جيدة تعيد انتاجه وتؤكّد مكانته. ولعلّ هذا المسار يتّسق مع العمل السّعودي المتواصل والجادّ في صون التراث غير المادي من خلال العديد من المبادرات الوطنيّة في ملفات التراث الثقافي غير المادي على المستوى المحلي والدولي. ولعل الأثر المتوقّع لهذا المعهد في حقل الدراسات، فإنّ تذهب إلى أكثر من دائرةٍ في آنٍ واحد، لأنّ المعهد مرشّح بحسب طبيعة هذا العلم وبحسب الغايات المعلنة من تأسيسه لأن يصبح مركزًا لإنتاج المعرفة الميدانيّة الرصينة حول المجتمع السعودي، ومنصّةً لتجميع الأرشيفات الشفويّة وتوثيقها، ومظلّةً لبرامج بحثيّةٍ تتناول التحوّلات في الأسرة والمدينة واللغة والهويّة والتمثّلات الشعبيّة، ومكانًا لتلاقي التخصّصات بين الأنثروبولوجيا والتاريخ واللغة والآثار والدراسات الثقافيّة، وهو ما يعني أنّ أثره سيمتدّ إلى السياسة الثقافيّة والمتاحف والهيئات المعنيّة بالتراث وبرامج تنمية المناطق ومشروعات السياحة الثقافيّة وصناعة المحتوى، وكلّها مجالاتٌ تحتاج إلى معرفةٍ دقيقةٍ بالإنسان وسياقه ورموزه قبل أن تحتاج إلى خططٍ تنفيذيّةٍ مجرّدة. ولعلّ هذا الاستنتاج تدعمه مهامّ الأنثروبولوجيا ذاتها كما تعرّفها المراجع العلميّة، وتدعمه أيضًا ما جاء في تصريحات سموّ وزير الثقافة التي قدّمت المعهد بوصفه مؤسّسةً مكرّسةً لفهم الثقافة السعوديّة والإنسان في أطره الحضاريّة والاجتماعيّة.