المثقف العربي في زمن اللايقين.
قلنا: ما بالُ المثقف العربي اليوم إذا سُئل عن يقينه تلعثم، وإذا استُنطق عن رأيه أطال السكوت، وإذا دُعي إلى البيان آثر الإيماء؟ أذلك لأنه فقد القول، أم لأنه كثر القول حتى بطل معناه؟ فإن كان الأول فقد خسر رأس ماله، وإن كان الثاني فقد صار القول عنده كالدراهم المغشوشة؛ تُرى في اليد كثيرة، ولا تُصرف في السوق إلا على ريبة. وإنما قلنا هذا لأن زمننا قد صار زمن اللايقين، حتى كأن اليقين فيه ضيف غريب لا يقيم إلا قليلاً، ولا يُستقبل إلا بتحفظ. وليس ذلك لأن الحقيقة قد غابت من الأرض، ولكن لأن الطرق إليها قد ازدحمت حتى صار السالك فيها كمن يمشي في سوقٍ عظيم: يسمع كل نداء، ويرى كل بضاعة، ولا يدري أيها الصادق وأيها الزائف. فإن قال قائل: وما شأن المثقف في هذا كله؟ قلنا: إن شأنه فيه كشأن الدليل في الفلاة؛ إن صدق نجا القوم، وإن أخطأ تاهوا معه. غير أن الدليل في الفلاة لا يتقدم إلا بعد معرفة الطريق، وأما المثقف في زماننا فقد صار يتقدم القوم وهو لا يدري أيسلك بهم إلى الماء أم إلى السراب. وذلك لأن المثقف العربي قد وجد نفسه بين قوتين: قوة الذاكرة وقوة الحاضر. أما الذاكرة فممتلئة بالحروب والانكسارات والآمال المؤجلة، وأما الحاضر فمضطرب كالبحر في يوم عاصف، لا يستقر على موجة ولا يطمئن إلى شاطئ. فإذا اجتمعت هاتان القوتان في نفس واحدة اضطربت الرؤية، وتفرقت الإرادة، وصار صاحبها كمن يمسك ميزاناً في ريحٍ شديدة. فإن قيل: أوليس المثقف صاحب العقل الراجح والنظر البعيد؟ قلنا: بلى، ولكنه بشر تجري عليه أحكام البشر؛ فإن قوي عليه الخوف ضاق نظره، وإن غلبه الرجاء اتسع أمله حتى يجاوز حدَّ المعقول. والمثقف العربي قد عاش دهراً بين هذين الحدين: خوفٍ من ماضٍ لم ينقضِ أثره، ورجاءٍ في مستقبل لم تتضح ملامحه. ومن أجل ذلك رأيت طائفة من المثقفين قد آثروا الصمت، وقالوا: السلامة في السكوت. ورأيت طائفة أخرى قد أكثروا القول حتى صار كلامهم كالرمل في اليد، لا يُمسك منه شيء. وبين هاتين الطائفتين قلَّ من جمع بين الجرأة والحكمة، فكان كلامه قليلاً ولكنه نافذ، وصمته طويلاً ولكنه مفكر فيه. فإن قال قائل: ولماذا يقع المثقف في هذا التردد؟ قلنا: لأن المعرفة في زمان اللايقين قد صارت مثل المرآة في سوق مزدحم؛ كل واحد يمر بها يرى فيها صورته، ثم يظن أنه رأى الحقيقة كلها. فإذا اجتمع هؤلاء في مجلسٍ ظن كل واحد منهم أن الحقيقة معه وحده، وأن غيره إنما يرى انعكاساً زائفاً. ومن هاهنا نشأت خصومة المثقفين، حتى صار بعضهم يرد قول صاحبه لا لأنه باطل، ولكن لأنه لم يصدر عنه. ولو أنهم نظروا في الأمر نظر المتأمل لعلموا أن الحقيقة لا تُعطى لرجلٍ واحد، كما لا تُحصر الشمس في نافذة واحدة. قلنا: وليس البلاء في الاختلاف، فإن الاختلاف سنة العقول، ولكن البلاء في ادعاء اليقين حيث لا يقين. وذلك أن بعض المثقفين إذا استشهد بالحجة ظن أنه بلغ الغاية، وإذا أورد البرهان توهم أنه سدَّ كل باب. وهو لا يدري أن البرهان نفسه يحتاج إلى برهان، وأن الحجة قد تكون كالسلم الذي يُصعد به إلى موضعٍ ثم يُترك. فإن قيل: فكيف يكون المثقف في زمن اللايقين؟ قلنا: يكون كصاحب الميزان الدقيق؛ لا يزيد في الوزن إذا أحب، ولا ينقص إذا كره، ولكنه ينظر في الأشياء كما هي، لا كما يشتهي أن تكون. فإن وجد الحق قال به، وإن وجده ناقصاً طلب تمامه، وإن وجده متشعباً جمع أطرافه. غير أن هذا المقام صعب، لأن النفس تميل إلى اليقين السريع كما يميل العطشان إلى الماء القريب، وإن كان مالحاً. وأما اليقين الصحيح فإنه يشبه الماء العذب في أعماق الأرض؛ يحتاج إلى حفرٍ طويل وصبرٍ كثير. وقد رأينا في تاريخ العرب أن المثقف كان إذا اشتد الظلام صار أشد الناس بحثاً عن الضوء، لا لأنه يملكه، بل لأنه يعرف قيمته. وكان يعلم أن الكلمة الصادقة قد تكون أضعف من السيف في ظاهرها، لكنها أبقى أثراً في باطن الزمان. فإن قال قائل: وما علامة المثقف الصادق في هذا العصر؟ قلنا: علامته أنه لا يبيع يقينه بثمنٍ عاجل، ولا يشتري الشك بسمعةٍ سريعة. فإن كثيراً من الناس قد جعلوا الشك زينةً للعقل، كما يجعل بعضهم الفقر زينةً للزهد. وليس كل شكٍ حكمة، كما ليس كل يقينٍ جهلاً. وإنما الحكمة أن يعرف الإنسان موضع يقينه وموضع شكه، فيتكلم حيث ينبغي الكلام، ويسكت حيث ينبغي السكوت. فإذا فعل ذلك صار قوله قليلاً ولكن معناه كثير، وصار سكوته قصيراً ولكن دلالته بعيدة. وقد كان الجاحظ يقول في مواضع كثيرة إن العقول تختلف كما تختلف الأجسام، وإن الناس يتفاضلون في النظر كما يتفاضلون في القوة. ولو نظرنا في حال المثقفين اليوم لرأينا هذا القول ماثلاً أمامنا؛ فهذا يطلب الحقيقة في السياسة، وذاك يطلبها في التاريخ، وآخر يراها في الفلسفة أو في الأدب. وكلهم يظن أنه قد أمسك بطرفها، والحقيقة أنها أوسع من أن تُقبض بيدٍ واحدة. ومن هنا كان واجب المثقف العربي أن يتواضع للحقيقة كما يتواضع العالم للطبيعة؛ لا يظن أنه خلقها، ولا يتوهم أنه يملكها، بل يعلم أنه إنما يسعى إليها كما يسعى المسافر إلى مدينة بعيدة. فإذا فعل ذلك صار اللايقين نفسه باباً للمعرفة؛ لأن الشك إذا أحسن صاحبه استعماله صار كالريح التي تدفع السفينة إلى الأمام، لا كالريح التي تقلبها. أما إذا استسلم له صاحبه صار كالبحر الذي يبتلع المراكب ولا يردها. ولهذا قلنا إن زمن اللايقين ليس شراً كله، ولا خيراً كله؛ وإنما هو امتحان للعقول. فمن كان عقله صبوراً ازداد علماً، ومن كان عقله عجولاً ازداد حيرة. والمثقف إنما يُعرف في مثل هذه الأزمنة، كما يُعرف المعدن في النار. فإن خرج منها صادقاً ازداد بريقه، وإن خرج منها زائفاً انكشف أمره. ولذلك كان تاريخ الأمم لا يذكر من المثقفين إلا أولئك الذين صبروا على الشك حتى بلغوا اليقين، أو صبروا على اليقين حتى حفظوه من الزيف. قلنا: فليكن المثقف العربي إذن كصاحب السراج في ليلة طويلة؛ لا يملك أن يبدد الظلام كله، ولكنه يملك أن يضيء موضع قدمه. وإذا أضاء موضع قدمه أضاء معه طريق من يسير خلفه. فإن فعل ذلك لم يضره أن يكون الزمن زمن لايقين؛ لأن اليقين الحقيقي لا يولد من الطمأنينة وحدها، بل يولد أيضاً من السؤال الطويل، والنظر العميق، والصدق مع النفس قبل الصدق مع الناس. وعند ذلك يكون المثقف قد أدى ما عليه، وإن بقي العالم من حوله مضطرباً؛ لأن قيمة العقل ليست في أن يزيل اضطراب العالم، بل في أن يحفظ توازنه وهو يسير في وسط هذا الاضطراب.