الرواية السعودية..

أزمة نص أم أزمة اختيار؟

تحوّلت الرواية السعودية من رفوف المكتبات إلى رافدٍ أساسي للإنتاج الدرامي. لم تعد تجربةً فردية بين الكاتب والقارئ، وإنما أصبحت مادةً سردية تجد طريقها إلى الشاشة ويشاهدها الملايين. لسنواتٍ طويلة بدت الدراما المحلية مأزومة نصًّا، أسيرة تكرار القوالب الاجتماعية والكوميدية ذاتها، حتى غدا المشاهد متعطّشًا إلى حكايات أكثر ثراءً. غير أن السؤال اليوم لم يعد: هل لدينا نصوص كافية؟ السؤال الأجدر بالطرح: بأي معايير اختارت الدراما أعمالها الأدبية طوال تلك السنوات؟ في المقابل، كانت الرواية السعودية تنجز بصمت ما عجز عنه المشهد المرئي؛ تغوص في التفاصيل الاجتماعية، وتلامس التحولات الثقافية، وتبني شخصيات مُشكَّلة بوعيٍ إنساني عميق، تغدو مرآةً صادقة لتحوّلات المجتمع وخفاياه اليومية. لم تكن الحكايات نادرة، غير أن الاستثمار فيها ظل مؤجلًا. ولعل المشكلة في بعض الأحيان لا تكون في ندرة النصوص، قدر ما تكمن في حصر المراهنة على مسارات سردية محدودة، حيث تميل الصناعة إلى الخيارات المأمونة وتُفضَّل المسارات المجرَّبة على المغامرة الإبداعية، فتتقلص مساحة الاكتشاف وتبقى نصوص أخرى خارج نطاق الفرصة. حين نقرأ أعمالًا روائية سعودية تكشف تحولات المجتمع وتنوّع مساراته الحكائية، مثل شارع الأعشى في بعدها الاجتماعي الذي يعيد بناء زمنٍ كامل بملامحه الإنسانية، ندرك قدرة السرد المحلي على استعادة الذاكرة وتحليل التحولات. وفي مسارٍ مغاير، تأتي سلسلة بساتين عربستان لتفتح أفق الفانتازيا التاريخية أمام إنتاج درامي ضخم، مؤكدة أن المخيلة السعودية قادرة على تجاوز الواقعي إلى عوالم أسطورية ذات بعد بصري واسع. بين هذين النموذجين يتجلّى اتساع الطيف الروائي؛ فلا نمط واحد يحتكر الحكاية، ولا قالب واحد يختزل التجربة، وإنما عوالم متعددة قابلة لمعالجات متنوعة. غير أن انتقال الرواية إلى العمل التلفزيوني لا يكتمل بالحكاية وحدها، إذ يتطلب صناعة واعية تُحسن قراءة النص وإعادة تشكيله وفق منطق الصورة وشروطها الفنية. فالمعالجة ليست نقلًا للأحداث، وإنما إعادة بناء تقتضي وعيًا بالبنية والشخصيات والزمن. وما ينقصنا اليوم ليس وفرة الأعمال، وإنما الجرأة المهنية على قراءة المختلف وتحويله إلى فرصة، والثقة بأن الحكاية المحلية قادرة على إنتاج عمل منافس دون أن تتخلى عن خصوصيتها. ولكي لا يبقى هذا التحوّل ظرفيًا، لا بد من ترسيخه عبر «مختبرات السيناريو»؛ مساحات يلتقي فيها الروائي بكاتب السيناريو والمخرج لإعادة تشكيل النص الأدبي بمعالجة احترافية. في مثل هذه الشراكات لا ينتقل العمل من صيغة إلى أخرى فحسب، إذ يُعاد بناؤه بما يحفظ بنيته الحكائية ويمنحه حياة جديدة، فتغدو الصلة بين الأدب وصناعة الصورة مسارًا مؤسسيًا مستدامًا لا اجتهادًا عابرًا. إننا نقف اليوم أمام مخزونٍ سرديٍّ هائل لم يُستثمر كما ينبغي، وخلف أغلفة الكتب حكاياتٌ قادرة على صناعة دراما هي الأصدق تمثيلاً لتحولاتنا، والأشد اتصالاً بحياتنا اليومية. لذا؛ فإن السؤال الحقيقي لم يعد يكمن في قدرة الرواية على إنقاذ الدراما، وإنما في قدرة (صناعة الدراما) على اختيار الرواية حين تكتمل فنيًا، وتستحق أن تمثلنا.