رتابة المألوف!

تمر على الأسماع في كثير من المناسبات الدينية عبارات مألوفة تتكرر حتى تكاد تحفظها الذاكرة قبل أن ينطق بها المتحدث. ومع مرور الزمن يصبح السامع قادراً على توقّع ما سيقال، وكأن الخطاب يسير في طريق محفوظ لا يكاد يخرج عنه. حتى يخيل للسامع أحياناً أن اللغة العربية - وهي الثرية بألفاظها وبلاغتها - قد ضاقت عن الإتيان بعبارات جديدة في الدعاء والتذكير، مع أن معاني الدين أوسع من أن تُحصر في صيغ محدودة تتكرر على الدوام. ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن هذا التكرار لا يكاد ينقطع في كثير من المساجد وخطب الجمعة واللقاءات الحوارية لطلبة العلم، حتى أصبح السامع يستطيع أن يتوقع ما سيقال قبل أن يُقال. إلا أنني في صلاة التراويح يوم الجمعة 17رمضان 1447هـ الموافق 06 مارس 2026م في الحرم النبوي الشريف، سمعت قنوتاً مختلفاً في معانيه وعباراته، جاء متجدداً في صياغته، عميقاً في دلالاته، حتى أبهرني بما حمله من روح الابتكار وجمال البيان. كان دعاءً مألوف المقصد، لكنه جديد التعبير، كأن المعاني القديمة قد لُبست ثوباً لغوياً جديداً يوقظ القلب ويشد الانتباه. ذلك الموقف أعاد إلى ذاكرتي مقارنة بين ما سمعته في تلك الليلة، وبين ما اعتدنا سماعه في كثير من المواضع الأخرى من تكرار شبه حرفي في الأدعية والخطب، وكذلك في الحوارات الدينية عند الحديث عن المناسبات المختلفة. والحديث هنا لا يقصد الدعاء بعينه، فالدعاء خير وبركة مهما تكررت ألفاظه، وإنما المقصود الجمود على صيغ محددة في الخطاب الديني عند الحديث عن المناسبات، حتى يفقد شيئاً من تأثيره المتجدد في النفوس. ولعل تنويع العبارة في الخطاب الديني كان معروفاً عند العلماء قديماً، لأن تجدد الأسلوب أدعى لحضور القلب، وأقرب إلى إيقاظ المعنى في نفس السامع. وقد أشار أهل العلم إلى أن تنويع الألفاظ في العبادات والدعاء مما يحيي القلب ويبعد الملل ويجدد أثر المعاني في النفس. وقد ثبت في السنة النبوية تنوع صيغ العبادات والأدعية، وهو ما أشار إليه عدد من العلماء باعتباره من مقاصد الشريعة في إحياء المعاني وتجديد حضورها في القلب. فالأحاديث عن رمضان والحج والأعياد، وكذلك خطب الجمعة وصلوات الخسوف والكسوف، كثيراً ما تأتي بصياغات محفوظة تتكرر على الأسماع حتى تكاد تُستعاد من الذاكرة قبل أن تُلقى من المتحدث. ومع الزمن يصبح هذا التكرار مألوفاً إلى درجة قد تُفقده شيئاً من أثره الوعظي الذي يُفترض أن يوقظ القلوب ويجدد المعاني. والأصل أن الإسلام، في معانيه الواسعة، وفي لغته العربية الغنية، لا يمكن أن تضيق عباراته عن التجدد، ولا أن تنحصر معانيه في صيغ محدودة تتكرر دون إضافة. فاللغة العربية بحر لا ينضب، والقرآن الكريم نفسه فتح آفاقاً واسعة للتعبير والبيان، مما يجعل المجال متاحاً دائماً لخطاب ديني متجدد في أسلوبه، ثابت في مقاصده. إن تجديد العبارة لا يعني الابتداع في الدين، بل هو إحياء للمعنى حتى يبقى حياً في القلوب. فالمعاني العظيمة حين تحاصرها العبارات المكررة قد تفقد شيئاً من بريقها، بينما يردها التجديد إلى وهجها الأول. فالدين في مقاصده واسع، واللغة العربية أرحب من أن تضيق عن التعبير، وما بين سعة المعنى وثراء اللفظ مساحة رحبة للإبداع في الخطاب، لو أُحسن استثمارها، لبقيت الكلمة موقظة للقلوب لا مجرد صدى يتكرر على الأسماع.