أقدم وثيقة خطيّة لمنحة أرض محرّرة بتاريخ 35 عامًا بعد عام الفيل.

عرفت الجزيرة العربية الكتابات المنقوشة على الصخور منذ ما قبل الميلاد بعدة قرون, أما الكتابات النصّيّة المنفّذة على صحائف من رَقّ أو وَرَق ونحو ذلك فلم يصل شيء منها إلى علمنا حتى الآن في حدود اطّلاعي, وما وصل لا يعدو عن كونه أخبارًا عن كتابات لأغراض محدّدة, ومنها كتابة المعلّقات على صحائف بماء الذهب لغرض تعليقها في الكعبة المشرفة - إن صحّت الروايات - أو بعض الرسائل القليلة المتبادلة, ولا سيما في أزمنة متأخرة نسبيًّا من عصور ما قبل الإسلام, وحتى صحيفة مقاطعة قريش لبني هاشم المشهورة لم ترد بنصِّها الذي كُتبت به كما هو الحال في هذه الوثيقة, وإنما وردت بأخبار ما فيها من مضامين تتعلق باجتماعهم, واتفاقهم على تحرير كتاب تعاهدوا فيه على مقاطعة بني هاشم عامة؛ وبني عبدالمطلب خاصة بألا “ينكحوا إليهم, ولا ينكحوهم, ولا يبيعوهم شيئًا, ولا يبتاعوا منهم, فلما اجتمعوا كتبوه في صحيفة, ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك, ثم علّقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم”,(1) وتمضي أخبار كتابة هذه الصحيفة إلى القول بأن كاتبها هو: منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي, وقيل: هو النضر بن الحارث, وأن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا عليه فشلّت بعض أصابعه(2). تجدر الملاحظة هنا إلى أن هذا الكتاب الذي كتبوه, أو الصحيفة التي علقوها في الكعبة لم يصل إلينا أي منهما بنصّه, وما وصلنا فقط هو الإخبار بهما, وبمضامينهما كما أسلفنا. ولعل الوثيقة الخطيّة النّصّيّة الوحيدة شكلاً ومضمونًا هي – في حدود علمي – تلك التي تنصّ على منحة أرض في موضع بديار بني سليم بالقرب من المدينة المنورة يُسمى الوَحِيْدَة, (3) مَنَحَها عمرو بن الشريد السلمي, والد كل من معاوية وصَخْر والخنساء الشاعرة المعروفة, (4) إلى معمر بن الحارث جدّ الشاعر جميل بن عبدالله العذريّ المعروف بجميل بُثَيْنَة. وسبب المنحة أن عمرو بن الشريد والد كل من معاوية وصخر حضروا جميعًا إلى سوق عكاظ سنة 35 من عام الفيل, وحضر السوق أيضًا معمر بن الحارث بن الخَيْبَرِي بن ضبيان بن حنّ بن حزام بن كثير بن عُذْرَة, جد جميل الشاعر المذكور, فنزل معمر بن الحارث بإزاء منزل عمرو بن الشريد في موضعهما بالسوق, وأمر أولاده بأن يخدموا عمرًا طوال بقائه في الموسم. فلما انقضى الموسم قال عمرو بن الشريد لابنيه صخر ومعاوية: إن معمرًا طوّقني مالم يطوّقني أحد غيره من العرب, وأحببت مكافأته, فقال معاوية وصخر لأبيهما عمرو بن الشريد: افعل ما بدالك. فدعا عمرو بكاتب وصحيفة فكتب: “هذا ما مَنَح عمرو بن الشريد السُّلَمِيّ معمر بن الحارث بن الخيبري بن ظبيان بن حنّ بن حزام العُذْرِيّ منحه ماله بالوحيدة من أخلاف يثرب, أطلالَ ذلك ومغانيَه - ورسومَه - وأعراصَه - ودواويَه - وزحاليفَه - وقريانَه - وبرادغَه - وقسورَه - وعجرمه - وبشامه - وينعه - وتاليه - وحماطه - وشبحه - وأراكه. وأجزته - وحذاريه - وآكامه - وبرقه - وعلجانه - وكل ما صاء وصمت فيه - وبكت السّماء عليه - وضحكت الأرض عنه - فهو لمعمر دون عمرو، وممنوح به من نيّات الصّدر - لا يشوبه كدر الامتنان - ولا أمارات الامتهان - مستنزل من هضاب الجندل وجرثومة ودّ بعيد المحل، لا تَخْلُقُ الأيامُ جِدَّتَهُ - ولا يركد لمتنسم بارحُه ما دام الزمان - وتوقّد الحرّان – وسمر ابنا سمير, وأقام حِرَاء وثَبِيْر. وكُتب لخمس وثلاثين عامًا خلت من عام الفيل, ثم بعث بالكتاب مع طُرِف من طرائف اليمن, وعُدَد إلى معمر”(5). التعليق: جاء نصّ هذه الوثيقة بلفظها الذي صيغت به في حدود 150 كلمة, وموضوعها من الموضوعات المهمة جدًا لدارسي النصوص الوثائقية لعصور ما قبل الإسلام, فهي – في حدود علمي - تحمل أقدم نصّ محرّر في موضوع محدّد هو منحة أرض معلومة المكان والزمان من مانح هو عمرو بن الشريد السلميّ, وممنوح له هو معمر بن الحارث العذريّ. وقد جرى تحريرها بقلم كاتب نقدّر أنه متخصص في تحرير هذا النوع من المكاتبات, بدليل استدعائه على وجه السرعة من قبل المانح عمرو بن الشريد نفسه للقيام بتحرير تلك المنحة على صحيفة لم تُحَدّد الوثيقة خامتها, وقد تكون من الوَرَق أو الَّرقّ, والأخير أرجح لكثرة شيوع الكتابة عليه في العصر الجاهلي, والعصور الإسلامية المبكرة. ويبدو من توصيف ما تشتمل عليه الأرض الممنوحة لمعمر العذريّ, وهي من ماله في الوحيدة الواقعة إلى الشرق من الحِنَاكِيَّة المعروفة بمنطقة المدينة المنورة, أنها كبيرة المساحة ومتّسعة, وفيها أطلال شاخصة, ومنازل دارسة, وحياض ومسائل ماء, وتلال وآكام وسهول بها كثير من النباتات والأشجار التي منها الأَرَاك والبَشَام والحَمَاط أو التين الشوكي, والجُمَّيْز, وربما بعض الأشجار المثمرة من نخيل وخلافها, وهو ما عُبِّر عنه في الوثيقة بعبارة: “كل ما صَمَت”, أي ما لا صوت له, وهو النبات, ويقابله (بلفظ الوثيقة) عبارة: “كل ما صَاءَ” أي كل ما كان له صوت, ويقصد به بهيمة الأنعام, وما يصدر عنها من أصوات, ومنها صَهِيْل الخيل, ورُغَاء الإبل, وخُوَار البقر, وثُغَاء الماعز, وضُبَاح الضأن, ونَهِيْق الحمير, ونباح الكلاب, أي كلاب الحماية لاحتمال وجودها في هذه المزرعة المترامية الأطراف. وتنصّ الوثيقة على مصداقيّة المانح, وطيب نفسه, وخلوص نيّتِهِ فيما مَنَح, دون منّة أو امتنان على الممنوحة له, أو رجوع أو نكوس عنها مهما طال الزمان, وتعاقب الحدثان؛ وأقام جبل حِرَاء المعروف بالمدينة المنورة, وجبل ثَبِيْر المعروف بمكة المكرمة, أي أنها أزليّة, ولا رَجْعَة عنها ما اختلف الليل والنهار, وما دام على وجه البسيطة سامر وسمير من البشر. ثم خُتمت الوثيقة بالنص على تاريخها, وهو الخامس والثلاثين عامًا بعد عام الفيل المعروف بالعام الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم, أي قبل خمس سنوات من البعثة النبوية الشريفة. وقد كُتب لهذه الوثيقة البقاء بِيَدَيّ الممنوحة له, وهو معمر بن الحارث العذريّ, ثم لذريته من بعده, يفيض دخلها عليهم حتى عصر الخليفة العباسي هارون الرشيد طبقًا لما يرويه الأصمعي(6), وربما لأزمان طويلة بعد ذلك. أما أصل الوثيقة الخطيّة فلا يُعلم لها وجود حتى الآن. الخاتمة: يتضح مما تقدم أن العرب في عصر ما قبل الإسلام عرفوا الكتابة التحريرية على الوَرَق والرّقّ للأغراض اليومية بما فيها العطايا أو الهبات التي تُوهب أو تُمنح لمن يسدي معروفًا من شخص إلى آخر. كما شهد هذا العصر وجود كَتَبَة لا نستبعد أنهم كانوا محترفين, ومستعدين لتقديم هذه الخدمة لمن يطلبها على وجه السرعة. ويغلب على الظن أنهم كانوا موجودين في التجمعات السكانية المستقرّة على اختلافها بما فيها المواسم التي يستغرق انعقادها مددًا طويلة, ومنها موسم سوق عكاظ الذي حرّرت فيه هذه المنحة. ويدل على وجود هؤلاء الكَتَبَة الاحترافيين قول الله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ}.(7) وفي السياق نفسه يحثّ المولى عزوجلّ على توثيق ما بين الناس من تعاملات وضبطها على أيدي كَتَبَة عدول كما جاء في آية المُدَايِنَة المشهوره في سورة البقرة, وهي أطول آية في أطول سورة من كتاب الله جل وعلا(8). فإذا قدّرنا أن بعض هؤلاء الكتبة محتسبون فإن آخرين منهم ربما يكونوا محترفين ومتفرّغين للكتابة بين الناس بالمتيسّر من الأجر. ونقدّر أيضًا أن الخط الذي كانوا يكتبون به قبيل ظهور الإسلام هو في حروفه وصُوَرِهِ نفس الخط الذي وصلنا عن طريق ما اُكتشف منه على الأحجار, خصوصًا في أواخر مراحل تطوّره إلى الخط العربي الخالص في شمال غربي المملكة العربية السعودية(9), وهو الخط الذي عُرف في مكة المكرمة والمدينة المنورة في صدر الإسلام, وبه دوّنت آيات القرآن الكريم في أثناء نزوله, وحرّرت به رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأباطرة الذين أرسلت إليهم. وهو خطّ لِيْن, لسهولة الكتابة به باستخدام القلم والحِبْر على مواد عضوية من وَرَق ورَقّ وبَرْدِيّات وعَسِيْب وعظام ونحوها, وذلك على عكس ما نُقش منه على الصخور بأدوات حادة أو مدببّة جعلته في صورة أقرب إلى اليبوسة, والظهور في رسمه بمظهر زوايا حادة. ولا يوجد – في حدود علمي – دليل حسِّي من عصر ما قبل الإسلام على نماذج من خطوط اللِّيْن المنفّذة على مواد عضوية من شمال غربيّ المملكة العربية السعودية أو وسطها أو شرقها, مقارنة بما اُكتشف في اليمن مما أطلقوا عليه خط الزَّبُوْر أي اللين – إن صحّت هذه التسمية -, وهو الذي عناه الشاعر الجاهلي امرؤ القيس بقوله: لِمَنْ طَلَلٌ أَبْصَرْتُه فَشَجَانِي كخطِّ زبورٍ في عَسِيْبِ يَمَانِ ـــــــــ الاحالات (1) ابن إسحاق, محمد, سيرة ابن اسحق, تحقيق محمد حميد الله, طبعة عام 1401هـ/1981م, ص ص 137, 147؛ الطبري, محمد بن جرير, تاريخ الطبري, تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم, (بيروت: دار سويدان, د.ت), جـ2, ص ص 335-336, 341-343. (2) ابن هشام, عبدالملك الحميري, السيرة النبوية, تحقيق مصطفي السقا وآخرين, (القاهرة: مطبعة البابي الحلبي 1375هـ/1955م), القسم الأول, ص350. (3) الوحيدة: يذكر ياقوت الحموي أنها من أعراض المدينة بينها وبين مكة, ويذكرها غيرة نقلًا عنه, يُنظر, معجم البلدان, (بيروت: دار صادر دار بيروت, 1376هـ/1957م), جـ5, ص364. وعن موقعها اليوم أخبرني مشكورًا سعادة أ.د. مرزوق بن صنيتان بن تنباك, أستاذ الأدب المعروف بجامعة الملك سعود, أن موقعها إلى الجنوب الشرقي من الحِنَاكِيَّة المعروفة في منطقة المدينة المنورة. (4) على الرغم من شهرة عمرو بن الشريد السلمي فإنني لم أجد له ترجمة, ولا أعرف ما إذا كان أدرك الإسلام أم لا! أما ابناه: معاوية بن عمرو فقتلة أحد رجال بني مرة في يوم حوزة الأول, وأما صخر فمات على أثر طعنة في جنبه تلقاها من ربيعة الأسدي في يوم ذات الأثل. يُنظر: النويري, أحمد بن عبدالوهاب, نهاية الأرب في فنون الأدب, تحقيق يوسف الطويل وعلي محمد هاشم, (بيروت: دار الكتب العلمية, د.ت), جـ15, ص ص 365-368. وأما أختهما الخنساء الشاعرة, فأدركت الإسلام, وأسلمت, وحسن إسلامها, وتوفيت في عام 24هـ/645م, يُنظر: الأصفهاني, أبو الفرج, الأغاني, ط2, تحقيق يوسف الطويل, (بيروت: دار الكتب العلمية, 1412هـ/1992م) ج15, ص72 والصفحات التي بعدها, والهامش رقم 1. (5) يُنظر نص الوثيقة كاملًا في كتاب الأزمنة والأمكنة للشيخ أبي علي أحمد بن محمد الأصفهاني, تحقيق خليل المنصور, ط(1), (بيروت: دار الكتب العلمية 1417هـ/1996م), ص ص 387-388. وقد أورد سعيد الأفغاني هذه الوثيقة في كتابه: أسواق العرب في الجاهلية والإسلام, (القاهرة: دار الكتاب الإسلامي, 1413هـ/1993م), وشَرَح في الهامش رقم (1) معاني بعض المفردات الصعبة في نص الوثيقة؛ ولأن الأفغاني هو من هو في علوّ كعبه في اللغة العربية فقد اقتبست منه ما شرح من معاني تلك المفردات مع قليل من التصرّف والزيادة على هذا النحو: “الخِلْف: ما أنبت الصيف من العشب والجمع أخلاف. الأطلال جمع طلل: وهو ما شخص من آثار الدار. والمغنى: المنزل الذي غني به أهله ثم طعنوا. والرسم: ركيّة تدفنها الأرض, وما لا شخص له من الآثار. والاعْراص جمع عَرْصة: وهي كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء. الدويّة: الأرض غير الموافقة, والزحاليف جمع زُحْلوفة: وهي (هنا) المكان المنحدر المملسّ. والقَرِيّ: مسيل الماء من التلاع, ومدفعه من الربو إلى الروضة, والقرَو, حوض طويل ترده الإبل, والجمع قُريّ. والبراذع جمع برذعة: وهي الأرض لا غليظة صلبة ولا سهلة. والقسورة: نبات سهلي, والجمع قسور, وقسورَ النبت: كثر. والعُجرم, جمع عجرمة: وهي شجر. والبشام: شجر عطر الراحة ويستاك بِقَضِيْبِه. والينع: جلّ الشجر. والحماط جمع حماطة: وهو التين الشوكي. الشبح: الباب العالي البناء, وأشباح المال: ما يُعرف من الإبل والغنم وسائر المواشي. والأراك: القطعة من الأرض, وشجر من الحمض يستاك به. والأحزة جمع حزيز: وهو الموضع الغليظ المنقاد, والحذاري جمع حذرية: وهي الأكمة الغليظة, والقطعة الغليظة من الأرض, وحرة لبني سليّم, وهم قوم عمرو صاحب هذا القول. والبرق جمع برقة: غلظ من الأرض فيه حجارة ورمل وطين مختلطة, والعلجان: كل شجر ذي شوك, وكل عظيم طويل من الشجر. وما صَمَت من المال: الذهب والفضة والنبات. وماصاه منه: الإبل وما إليها, وتَخْلُق الأيام جِدَّتَه: أي تُبْلِيْه, والبارح: الريح الحارة في الصيف. وابنا سمير: الليل والنهار والمعنى: أي ما اختلف الليل والنهار. وبكت السماء: أمطرت. وضحكة الأرض: أزهرت وأزينت وأنبتت من كل زوج بهيج. (6) الأصفهاني, الأزمنة والأمكنة, ص388. (7) الآية رقم (283) من سورة البقرة. (8) الآية رقم (282) من السورة نفسها. (9) عالج أ.د. مشلح بن كميخ المريخي, أستاذ الكتابات الإسلامية في قسم الآثار بجامعة الملك سعود, أصل الخط العربي وتطوره إلى الرسم العربي الخالص في كتاب له تحت الطبع بعنوان: أرض السعودية مهد الكتابة العربية: رؤية جديدة حول نشأة الخط العربي وتطوره.