احتفال مارادونا واحتضار بورخيس.

في يوم 14 يونيو 1986، توفّي الكاتب الأرجنتيني الشهير “خورخي بورخيس”، وفي يوم 29 من الشهر نفسه، فاز منتخب “الأرجنتين” بكأس العالم، بقيادة أسطورة كُرة القدم “دييجو مارادونا”. بينما كان “بورخيس” يحتضر، كانت أبصار المواطنين الأرجنتينيين شاخصةً نحو شاشات التلفزيون، أو واقفين على أرجُلهم في ملاعب “المكسيك”، يُتابعون بحماس شديد فريقهم المُتميّز ونجمهم المُفضّل، بأملٍ كبير في الفوز بالكأس. مات “بورخيس” في صمت، وكانت جنازته شبه سريّة لم يحضرها إلا الأهل والمُقرّبون، ولم يُسلّط عليها الإعلام أي اهتمام يُذكر ويليق بتاريخه الطويل؛ 86 عاماً كرّسها (بداية من سنّ العاشرة تقريباً) للأدب: قراءةً وكتابة وترجمة ونقداً.. ذهبتْ أدراج الرياح في يوم رحيله! وسيمرّ وقتٌ طويل حتى ينتبه الأرجنتينيون إلى تراجيديا موت كاتبهم الكبير في صمتٍ يُشبه صمت موت شخصياته التي كتب عنها في أعماله الأدبية، في دلالةٍ تتقاطع كذلك مع قصصه الفانتازية، ومع استعاراته النمطية. مع فورة النصر النهائية، حين فاز المنتخب الأرجنتيني على الألماني بثلاثة أهداف مُقابل هدفين وتسلّمه لكأس العالم، كان “بورخيس” قد تبخّر من الذاكرة الأرجنتينية، ليتصدّر نجم الكُرة اللامع في سماء اللعبة الشعبية الأولى “مارادونا” حديث الشارع ووسائل الإعلام. لقد ساهم في هذا التجاهل، انصراف الجماهير لمتابعة بطلهم خلال التصفيات المثيرة السابقة للمباراة النهائية؛ ففي الدور رُبع النهائي، التقى الفريقان الأرجنتيني والإنجليزي، وكان عُشّاق الكُرة مشدودين إلى ملعب “أزتيكا” بالمكسيك وقد غصّ بأكثر من مئة ألف مُتفرّج.. وفي الدقيقة الخمسين تقريباً من عُمر المباراة، انطلق “مارادونا” بالكُرة من وسط الميدان مُراوغاً أربعة لاعبين، إلى أن بلغ منطقة الجزاء لتصطدم الكُرة بأحد المُدافعين الإنجليز، وتنحرف في اتّجاه حارس المرمى الذي حاول صدّها، لكن “مارادونا” انقضّ عليها برأسه ومُستخدماً يده في آخر لحظة ووضع الكُرة في الشباك، مُفتتحاً التسجيل لصالح فريقه! لم تكُن تقنية “الفار”، أو التحكيم بواسطة الفيديو قد ظهرتْ بعد، لذا لم يكن من السهل التفطّن إلى ما حدث، ولكن الإعادة ببطء عبر التلفزيونات العالمية فيما بعد أتاحت للجميع التأكّد من الخديعة، ولكن ذلك على كلّ حال زاد من شعبية “مارادونا”. لم يتوقّف جمهور مارادونا العريض طويلاً أمام هدفه المزيّف، بل زاد جنونه بعد خمس دقائق عندما سجّل مارادونا هدفاً ثانٍ بعدما انطلق مُتجاوزاً خمسة من اللاعبين الإنجليز هذه المرّة، وسجّل هدفاً اعتبرته “الفيفا” في أعقاب استفتاء أجرتهُ سنة 2002 “هدف القرن”، وبالرغم من تقليص “إنجلترا” للنتيجة بتسجيل فريقها هدفاً فيما بعد، إلا أن المباراة انتهت بفوز الأرجنتين وتأهّلها للمباراة النهائية. وبالعودة إلى “بورخيس”، فللمُفارقة أنه كان أحد أعداء كُرة القدم في حياته وفي أعماله الأدبية، إذ كثيراً ما تحدّث عنها بسخرية، وكثيراً ما تصوّرها محض صفقات بين رجال المال والأعمال الكبار، وعندما أراد أن يُدلي بدلوه عنها، قال: “كُرة القدم: ذلك الشيء الإنجليزي المُمِلّ، ليس بتلك الروعة.. إن مُصارعة الديوك أكثر إثارة منها، إنها شعبية لأن الغباء أمرٌ شائع”! أما عن سبب ازدراءه لها، فقد صرّح أنها: “تُثير أسوأ المشاعر، وتستدعي فكرة السيادة والسُّلطة يشكلٍ مُروّع، الجماهير لا تهتم بمُشاهدة رياضة جميلة بقدر ما تهتم بالفوز والخسارة.. هل حدث وأن أشادت الجماهير يوماً بذلك المساء الجميل، الذي شاهدوا فيه مُباراة رائعة رغم خسارة فريقهم”!؟ في قصّةٍ “لبورخيس” بعنوان: “الوجود أن يشعر بك الآخرون”؛ وهي قِصّة تدور أحداثها أيام الراديو، يحكي الكاتب عن مباريات كٌرة قدمٍ لا تُقام، وعن أهدافٍ لا تُحرَز من الأساس، وعن لاعبين لا وجود لهُم إلا صوت مُذيع الراديو الذي ينقل للجمهور مباراة وهمية، من ملعب لا وجود له! وهناك واقعة طريفة تُروى عن موقف “بورخيس” من كُرة القدم؛ فقد ذهب ذات يوم في خمسينيات القرن الماضي إلى الملعب، برفقة صديقه الكاتب الأورغوياني “إنريكي أموريم” لحضور مباراة تجمع مُنتخبيّ بلديهما الأرجنتين والأورغواي، وهي واحدة من كلاسيكيات كُرة القدم في أمريكا الجنوبية. وفي الواقع، لم يكن أيّ من الكاتبين مُهتمّاً باللقاء الكروي، وشعرا بالملل بعد وقت قصير وهمّا بالانصراف.. وعندها نبّههما الحضور من الجماهير بأن المباراة لم تنتهي بعد وأن ما انتهى ليس سوى الشوط الأول، لكنهما غادرا الملعب بالرغم من ذلك على كلّ حال!