قراءة في تحولات السرد في الرواية العربية بعامة والسعودية بخاصة..

من الرواية التعليميّة إلى الرواية التفاعليّة.

في كتابه (أنماط الرواية العربية الجديدة) الصادر عن عالم المعرفة في سبتمبر 2008 تناول الدكتور شكري عزيز ماضي خصائص الرواية العربية الجديدة وجمالياتها مُقدّماً لذلك بالتمييز بين ثلاثة مراحل في تطور الرواية : الرواية التقليدية (تصميم يعيد إنتاج الوعي السائد) و الرواية الحديثة (تصميم يجسّد رؤية وثوقيّة للعالم) و الرواية الجديدة (تجسيد لرؤية لايقينيّة للغالم) وهي التي أطلق عليها تسميات عديدة منها: اللارواية و الرواية التجريبية ورواية الحساسية الجديدة و الرواية الطليعية و الرواية الشيئية و الرواية الجديدة ، وقد اختار لها المصطلح الأخير (الرواية الجديدة) التي يقوم بناؤها على التشتّت و التشظّي وتجاهل منطق التبرير و التسويغ والتنامي و التصاعد وإغفال الواقع ؛ بل و التمرّد عليه باستبدال الغرائبي و الفانتازي به ، وتعمّد الغموض وعدم التواصل بين الظواهر والإصرار على التحديق في الظواهر دون تفسيرها أو تعليلها ، والعمل على توسيع الفجوة بين التحقّق و التصوّر وإثارة الرغبة في الاستكشاف و الاستطلاع والتحديق مطوّلا في المقصود بهذه الفوضى وعلاقتها بالإبداع . وقبل الاسترسال في الحديث عن الرواية الجديدة وِفق توصيف شكري ماضي أود أن أشير إلى أن حديثه عن المراحل الثلاث في تطور الرواية والمصطلحات التي استعملها أراد بها الإجمال الذي قصد به الولوج إلى موضوعه الرئيس خلافاً للدراسات المؤرِّخة لهذا الفن، وتخطّياً لرائده الدكتور عبد المحسن طه بدر في كتابه (تطور الرواية العربية الحديثة في مصر(1870 -1938) ويوصف هذا الكتاب بأنه أول تصنيف نوعي موضوعي للنصوص الروائية ، حيث بدأ بالحديث عن الرواية التعليميّة ورواية التسلية و الترفيه و الرواية التاريخية بشقيها ؛الرواية التي تستلهم التاريخ الفرعوني وتلك التي تستمد مادتها من التاريخ العربي و الإسلامي الوسيط ، والرواية الفنيّة الرومانسيّة ثم الواقعيّة ؛ ولم تكن الرواية الجديدة قد نشأت بعد ، ولم يكن ليغفل وهو ذو الميول اليساريّة عن جدليّة العلاقة بين التطور الاجتماعي وانعكاسئه على الفن الروائي ، وقد كنت أحد تلامذته والسائرين المقتفين لخطاه في مقاربة المشروع الروائي تاريخيّاً ونقديّاً وفق المشروع الذي اقترحه قسم اللغة العربية في جامعة القاهرة ،فكانت أطروحتي (الرواية العربية في مصر من عام 1952 إلى عام 1967) ضمن هذا المشروع استكمالاً لما بدأ به أستاذنا عبد المحسن بدر، وتلاه زميلي الصديق الراحل جهاد الكبيسي في الحلقة الثانية (من عام 1938 -1952) وقد توفي قبل إنجازه (رحمه الله) ولا يعني ذلك إغفال دور الدكتور علي الراعي في كتابه (دراسات في الرواية المصرية) كما أشار إلى ذلك إيهاب الملاح في مقالة له . وثمة ما يمكن حصره من ظواهر في دراسة الدكتور شكري عزيز ماضي لنماذج من الرواية التجريبية العربية، حيث المفارقة و ما أسماه بالسّرد المهجن حيث يستثمر الروائي أساليب السرد التراثية في المقامة و السيرة و الملحمة والأسطورة , كما في روايات إميل حبيبي واستلهام أدوات فنّية من الشعر و الدراما و السينما والتراث الشعبي و الشفاهي والنمو الاستعاري الشعريّ والاستغراق في التفاصيل و الحوار الرمزي الافتراضي ، وما يسمّى بالشكل التلفيقي وفقاً ل(إيخنباوم ) كما في أعمال سليم بركات الروائية. وكذلك أسلوب (الدوائر الدلالية) كما وصفه شكري ماضي الذي ضرب مثالا لذلك أسلوب إلياس خوري في أعماله الروائية . ومن الظواهر البارزة في الأعمال الروائية التجريبيّة (بنية السرد الفسيفسائي) كما في رواية (النخّاس ) لصلاح الدين بوجاه ؛ فلا ترابط بين الفصول و لا تسلسل و لا سببية؛ ولكل فصل استقلاليته لا تربطه بغيره سوى خيوط باهتة مع قلة الأحداث وهيمنة الوصف والاسترسال و القفز وتنوّع الرواة وحيوية السرد ، وما أسماه ماضي بالتفكّك و التشظّي كما في رواية تيسير سبول (أنت منذ اليوم) ثم ظاهرة (التشييء) كما في رواية (هليوبوليس) لميّ التلمساني ففيها تتجلّى (سيرة الأشياء ) كما سمّاها المؤلف وظاهرة النموّ الاستعاري كذلك ؛ حبث التركيز و التكثيف ؛ فالتعسّف و اللامنطق سيّد العالم كما في رواية (وردة للوقت المغربي) ثم (الرواية القصيدة ) وفق توصيفه ؛ حيث الانسيابيّة والتنوّع واستلهام الشعر و الدراما والسينما والفولكلور وتمثّل العلوم الانسانيّة و الطبيعيّة والانفتاح كما في تجربة العزّاوي الروائية التي تتبدّى في عنوان روايته الفرعي(قصيدة رواية) وثمة ظواهر أخرى أشار إليها ماضي في كتابه (التناسل اللاعُضوي وتراسل الأجناس) كما في رواية إبراهيم نصر الله (حارس المدينة الضائعة) ثم (جماليات الرّعب وانهيار المجاز والترميز ) على حدّ وصفه كما في روايات (الطاهر وطّار) وتفتّت البنية السردية وانكسار المعنى والبنية المهشّمة؛ ولكن هذه الظواهر التجريبية كلها ليست عملية ارتجالية فوضويّة ؛بل وفق تصميم مُسبق يرمي إلى تقديم رؤية وموقف؛ وتتكيء على أسرار للجمال الفني ولو لم تكن كذلك لكانت مُتاحة لكل دعيّ ولكل من هبّ ودب. وفي أطروحته المقدمة لنيل درجة الدكتوراه التي تمت إجازتها من اللجنة العلمية التي كنت عضواً فيها ، وعنوانها (التجريب في الرواية السعودية ) عمد الدكتورعبد الله بن مصلح العقيبي إلى دراسة ثلاث وخمسين رواية اعتُبرت في غالبيتها من الروايات التجريبية ؛ ولكن وفق منهجٍ مختلف عما سلكه الدكتور شكري عزيز ماضي ؛ فقد تقصّى الظواهر الفنيّة وفق الأسس التي ينهض عليها الفن الروائي بعامة ابتداءً بالعتبات النصية وعبر طرائق السّرد والشخصيّة وظاهرة المونتاج والفضاء الروائي وانتهاء باللغة، وانتهى إلى أن ظواهر التجريب في الرواية السعودية تتمثّل في العتبات على المستوى اللغوي البصري : في العناوين و والإهداءات والاستهلالات و النهايات، وتأثر الروائيين السعوديين إيجابيّاًّ وتفاعليًّاً في الكثير من الإضافات النوعية على مستوى الشكل و المضمون بالتجارب السابقة واستلهام الروائيّين السعودييّن على مستوى التبئير وعجائبية المروي له و السّرد المتقطّع و(الميتا سرد) ولنص السردي التفاعلي والتشييء والتسمية بالحروف والأرقام والفانتازيا والتقنيات السينمائية والفضاء الروائي واللغة الشعرية وتيار الوعي و التناصّ. وليس من شك في أن التجريب ظاهرة حداثيّة في مسار التطور الروائي فنّا ورؤىً ؛ وذلك في سياق التحوّلات الثقافية والاجتماعيّة ، ولكنها اتخذت طابعا فنّيّاً جماليّاً ، وفي موازاة ذلك استجابةً لروح المغامرة الإبداعيّة والخروج على المألوف، من هنا كانت مقاربة التجريب ذات مداخل متعددّة تراثيّة و غربيّة وفانتازيّة ولغويّة وبنيويّة ، وكنت في دراسة سابقة قد تناولت نموذجين يمثلان بعض جوانب التجريب في الرواية السعودية : العصفوريّة للدكتور غازي القصيبي والغيمة الرصاصيّة لعلي الدميني (رحمهما الله) ولست بصدد إعادة ما تبيّن لي من ظواهر عبر قراءتي لهاتين الروايتين ؛ فهي منشورة في كتابي (في شعرية الإبداع و منهجية التحليل) ولعل أهم مايميز رواية الغيمة الرصاصية أنها تستثمر ما عُرف اصطلاحا ب(الميتا سرد) والمقصود به أو بالميتا قص أو ما وراء السرد، نمطٌ فني في الكتابة القصصيّة والروائية تناقش قضايا جماليّة تتعلّق بسياقاتها وتنشغل ببنيتها الفنيّة، وهو أسلوب يركّز على الكتابة حول عملية الكتابة ذاتها، وقد عرَّفهُ ويليام غاس (الناقد الأدبي وأستاذ الفلسفة الأمريكي ) وهو من أبرز أدباء ما بعد الحداثة بأنه “القص الذي يجذب الانتباه إلى نفسه، كونه صنعةً ليطرح أسئلة عن العلاقة بين القص والواقع” وهو أول من ابتكر هذا المصطلح في بداية السبعينيّات الميلادية ، ومن أمثلة ذلك في هذه الرواية ما يجيب به على سؤال يتعلق بإشكالية النص الأدبي الروائي بشكل عام ، وبروايته ذاتها على نحو خاص ، معتبراً أن إقفال النص بنهايته السعيدة أو من خلال مجراه الطبيعي يطفيء جمرة السؤال ففي البحث في الرد على تساؤل أبي عاصم المحقّق في البوادي الأسطوري “أبوعاصم : لماذا جعلتنا ننتقل في حب عزّة وكان بإمكانها أن تتزوّجنا جميعا، فالزواج يطفيء جمرة السؤال؛ لذا كان ذلك اختباراً لقدرتكم على مقاربة فتنة الحقيقة وجحيمها الولود” (ص37) وفي إضاءات مباشرة لعلاقة النص مع الواقع تَرِد عبارات كثيرة فيه، وكلها تشكل عتبات تقود إلى فهم هذه العلاقة . أما العصفورية فتأخذ بعداً تجريبيّاً آخر في أسلوب تحليلي تنفجر فيه مذخوراته المعرفيّة نفسيّاً وتاريخيّاً وإنسانيّاً، و الرواية تنهض على بنية مفتوحة ملتبسة ، بمعنى أنها في حدودها الشكليّة و مستواها السردي الأول تقوم على حوار بين شخصيتين ، تنفرد إحداهما بالحديث مُلغيَةً وجود الآخر طوعاً ؛ بل مساعداً لها على الإفضاء بمكنوناتها ؛ فضلاً عن اتكائه على فضاءين : أحدهما مفتوح على نحو مطلق ، ويتّسع لكمٍّ متكاثر من القصص و الحكايات والمعلومات ، يختلط فيه الحقيقي بالخيالي بالفانتازي ، و الأدبي بالعلمي بالفلسفي والجنسي بالفضائحي والسيري بالروائي ، والآخر مغلق تحكمه علاقات تتشكّل فيه حكاية متماسكة مترابطة في وحدة موضوعية و عضوية . وقد بدا واضحاً أن ثمة ألوان أخرى منفتحة على فضاء التجريب تتمثل في ما يعرف بالرواية التفاعلية ، والرواية التفاعلية (أو الرقمية) هي شكل أدبي حديث يستخدم الوسائط الرقمية (نصوص، صور، صوت، روابط تشعبية) لخلق بيئة سرديّة تتيح للقارئ المشاركة الفعالة في بناء القصة وتغيير مساراتها ونهاياتها، بدلاً من التلقّي السلبي، وتعتمد على الاختيار الحر للقارئ وتفكيك النص التقليدي ،فهي جوهر هذا الفن الرقمي، و التفاعليّة تعني تحول القارئ من متلقٍ سلبيٍّ إلى “مشارك” فعّال في بناء النص الروائي، وتوجيه مساراته عبر خيارات حرّة، وذلك من خلال الوسائط الرقمية والروابط التشعبية التي تكسر خطّيّة السرد التقليدي، ليصبح القارئ “مؤلّفاً مشاركاً” في إنتاج دلالات القصة. ومن أبرز الروايات العربية التفاعلية أعمال محمد سناجلة: يعد من رواد هذا المجال، وتشمل رواياته (ظلال الواحد (2001): تعتبر من البدايات الحقيقية التي وظفت الروابط التشعبية و(شات (2005 رواية تفاعليّة دمجت الكلمة والصورة والصوت والألوان و(صقيع (200)، وقد واصل فيها استخدام تقنيات الوسائط المتعدّدة ، ومنها على بعد ملمتر واحد فقط (عبد الواحد استيتو) نموذج بارز للرواية التفاعلية ، حيث شارك القراء في صنع أحداث الرواية وتوجيه مسارها عبر التعليقات والوسائط، وتشير الدراسات إلى محاولات أخرى تسعى لتوظيف الوسائط الرقمية في السرد، مع وجود تحديات تتعلق بضعف الخبرة التقنية لدى بعض الكتاب وعزوف بعض القراء عن الأدب الرقمي؛ أما على تويتر، فكان الظهور العربي الأول «دوشيش» للروائي السعودي طارق الدغيم عام 2020 وفي دراسة نشرتها جريدة الرياض عام 2020، أكدت الدكتورة عائشة يحيى الحكمي (أستاذة الأدب بجامعة تبوك) أنها لم تجد – حسب علمها – نصاً سعودياً يحقق مفهوم التفاعلية الكاملة في ذلك التاريخ، وأرجعت ذلك إلى سيطرة السرد الخطّي التقليدي والتحديات التقنية . ورواية الدغيم النموذج الأبرز والأكثر توثيقاً بوصفها رواية تفاعلية رقمية نشرها الكاتب على حسابه على تويت (@tariq2121) وكان ينشر الفصول تدريجيًّاً، والقرّاء يشاركون مباشرة في كل حرف وكلمة وسطر وفصل عبر التعليقات والاقتراحات. ولعل هناك متسعاً للحديث في هذا الموضوع؛ ولكنني أردت أن أشير إلى المسار التطوري للرواية العربية والسعودية ؛ ولعلي في قراءة أخرى أعمد إلى ارتباط هذا المسار وماتلاه بالسياق الاجتماعي و الثقافي على نحو وثيق.