رأيت الدكتور ناصر بن علي بن عبد الله الموسى لأول مرة في مجلس الدكتور حمود البدر حدود عام ٢٠٠٠ وسمعت وقرأت عن بعض الأخبار في الصحف مسؤولاً كبيراً بوزارة المعارف للتربية الخاصة. وإعجاباً بقدرته وعلو همته وتحديه للصعاب رغم فقده البصر، فأحببت أن أكتب عنه لأضرب به المثل .. ووجدته يروي ملخصاً لسيرته لشقران الرشيدي في إحدى أعداد مجلة اليمامة، فرأيت أن أنقل ما تيسر من فائدة للقارئ. قدم الرشيدي للحديث معه بقوله: «هو ابن (روضة سدير) القرية الهادئة الضافية على كتف كثبان نجد الرملية .. أخذ من بيئة الصحراوية الصبر وسعة البال، واكتسب منها حب التفوق والمثابرة الدائمة سعياً نحو ما يؤمن به .. لم تثنه الإعاقة البصرية التي أصيب بها عن المضي خلف حب للمعرفة والعلم، ولم ييأس من رفض المدارس الحكومية قبوله لأنه أعمى، فأصر على الدراسة مهما كان الثمن حتى سمح له والداه، الأميان البسيطان، بالالتحاق بمعهد النور للمكفوفين بالرياض لتنطلق شرارة الإبداع وتتفجر طاقاته ومواهبه في الشعر والخطابة والتميز العلمي في هذه البيئة المثالية للتعلم مما أهله للابتعاث إلى أمريكا للدراسة العليا فحصل على شهادتي بكالوريوس في علم النفس والتربية الخاصة في مدة دراسية واحدة وانتخب رئيساً لاتحاد الطلبة الأجانب في أمريكا، وشارك بفاعلية في مشروع عالمي أضاف الكثير لذوي الاحتياجات الخاصة لتطويع الكمبيوتر ليكون في خدمة المعاقين. عاد بعد حصول على الدكتوراة أكاديمياً بارزاً في الجامعة ثم مشرفاً على التربية الخاصة بوزارة التربية والتعليم .. بقي أن نذكر أن الدكتور الموسى مبدع سعودي تغلب على الإعاقة البصرية ليصبح أحد الفاعلين المهمين في المجتمع وفي ذات الوقت قدوة لكثير من أبناء هذا الجيل… ومشواره الذي يرويه هنا أبلغ دليل» قال إن طفولته لا تختلف عن طفولة أي شخص آخر، ولم يكن لها ذلك التميز التي تختلف فيه عن طفولة الناس الآخرين، ولدت في مدينة روضة سدير ١٣٧٥هـ ١٩٥٥م وكانت حياتي في مجتمع ريفي صغير أعطاني الفرصة لكي أعيش طفولة هادية دون رقابة زائدة… فكنت ألعب وأمرح مع الأقارب والأقران وأعمل معظم الأشياء التي يعملونها ما عدا الأمور التي تحول دونها الإعاقة البصرية حتى أنني إذ أنهم حين اقتنوا دراجات هوائية (سيكال) للسباق كنت من ضمن من اقتناها .. وفي الحقيقة أنني قضيت طفولة سعيدة لا يوجد بها تكلف وعندما بلغت السادسة وهو سن الدراسة حاول والدي إلحاقي بالمدرسة لكن المسؤولين قالوا إن المدارس العادية لم تعد تقبل المعاقين بصرياً. وفي عام ١٣٨١هـ ١٩٦١م، أبلغ والدي أن هناك مدارس خاصة بالمعاقين، وأنه قد فتح (معهد النور) بالرياض للمكفوفين، ولكن والدي لم يقتنعا بسفري لوحدي، خصوصاً وأن المعهد لم يكن به سكن داخلي للطلاب القادمين من خارج الرياض، وبعد ثلاث سنوات سافرت إحدى أخواتي برفقة زوجها للرياض وسكنت عندهم، والتحقت بالمعهد وبدأت الدراسة عام ١٣٨٤هـ ١٩٦٤م. تخرجت وكنت الأول على الطلبة على مستوى المملكة. مما أتاح لي فرصة للابتعاث إلى أمريكا لإكمال الدراسة هناك عام ١٩٧٧م. كنت لوحدي لأني أحب الاعتماد على النفس وأحب المغامرة. وطالما أن الإنسان لديه الإرادة والعزيمة تحقق كثير من الأمور، ذهبت للملحقية وسافرت إلى هيوستن لدراسة اللغة لثلاثة أشهر ثم انتقلت لجامعة سان فرانسيسكو الحكومية في كاليفورنيا ودرست لثلاث سنوات، وأنهيت البكالوريوس في مدة وجيزة، وحصلت فيها على تخصصين اثنين في آن واحد تخصص في علم النفس، وبعدها التحقت في الماجستير بالتربية الخاصة، وكان تركيزي فيها على الإعاقة البصرية، وهكذا في الدكتوراة ودرست لمدة عشر سنوات في أمريكا وكلها أحصل فيها على امتياز مع مرتبة الشرف الأولى. وتوليت رئاسة اتحاد الطلبة فكنا نقيم دورات تأهيلية للطلبة القادمين من الدول الفقيرة حتى يستطيعوا التأقلم مع الواقع وكيف يعيشون مع الصدمة الحضارية التي يواجهونها... ولي أصدقاء لازلت التواصل معهم حتى الآن من البرازيل وأمريكا واليابان وبلاد عديدة .. وقال إن المشرف على رسالته الدكتوراة (سام اشكروفت) وكان عالماً ضليعاً في حقل التربية الخاصة واهتم بتطويع التقنية الحديثة لمصلحة ذوي الاحتياجات الخاصة وبالذات المعوقين بصرياً وكان همه أن يجعل الكمبيوتر من الأدوات التي يستخدمها الكفيف .. وكانت بالنسبة لي تجربة والتفاوت كبير جدا في الجانب العلمي والمهني.. فالنصوص تتحول إلى لغة برايل والخط العادي في ثوان.. عدت للمملكة عام ١٩٨٧م التحقت بجامعة الملك سعود أستاذاً مساعداً في كلية التربية قسم التربية الخاصة بعدها انتقلت إلى وزارة التربية والتعليم في إدارة التربية الخاصة مدة عامين، ثم عينت مستشارا للتربية والتعليم. ومن أهم ما قام به دمج الأطفال ذوي الاحتياجات التربوية الخاصة، والتي توسعنا فيه توسعاً كبيراً وأحدثت نقلة تربوية كبيرة فمن حيث الكم كان عدد معاهدنا للبنين والبنات في عام ١٤١٦هـ لا يزيد عن ٦٦ معهداً وبرنامجاً، أما الآن فوصل عددها إلى ١٥٧٩ معهداً وبرنامجاً متخصصاً للأطفال... وهذا يفسر زيادة عدد الأطفال المستفيدين من خدمات التربية الخاصة من ٥٢٠٨ في عام ١٤١٦هـ والآن عددهم أكثر من ٨٤١٣٢ طالباً وطالبة. أما الجوائز والتكريم فقد حصلت على العديد منها .. والتكريم هو لهذا الوطن الغالي الذي هيأ لنا كل أسباب التقدم... وقد مثلت المملكة في فرنسا بمؤتمر اليونسكو العالمي تحت عنوان (التعليم للجميع)، فطلبت الكلمة وقلت: إن أكبر دليل على اهتمام بلادي بذوي الاحتياجات الخاصة هو وجودي بينكم الآن فأنا المعوق الوحيد في هذا المؤتمر الكبير.. فصفق الجميع ليس إعجاباً بكلامي بل تقديراً لبلادي وهذا هو المهم، وقد حصلت على العديد من الجوائز التكريمية، وأعتز وأفتخر كثيراً بجائزة تميز معوق التي حصلت عليها من جمعية الأطفال المعوقين قبل عامين وتسلمتها من يد صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان، وسأظل أعتبرها وساما على صدري… أما بالنسبة لوقت العمل فأنا أعمل ١٢ ساعة يومياً.. وأنا أعلم أن لأسرتي ولنفسي علي حقاً ولكن حبي للعمل يجعلني أعمل وأنا مرتاح ومبسوط وأجد نفسي في العمل. ولدي ولله الحمد سبعة أولاد ثلاثة أبناء وأربع بنات وأكبرهم عبد الله وهو في كلية الطب وبعده علي في كلية الحاسب، أما البنات فالكبرى بالثانوية والباقي بالمتوسطة والابتدائي. وقال عن فلسفته في التربية: التربية ضرب من ضروب التحدي، وأعتقد أن أكبر استثمار هو في استثمار البشر، وأي شخص عليه مسؤولية كبيرة في مجال تربية الأولاد، فالتربية الصالحة لمصلحة الإنسان والوطن والمجتمع، وواجب على كل شخص إيجاد تربية جيدة في الأسرة، وأنا أحرص على النقاش الهادي مع أبنائي وكل أمورنا نتناقش فيها ونأخذ الرأي بالأغلبية ولا بد من تشجيع الأبناء على التعبير عن رأيهم.. وأم عبد الله تسهم معي بشكل كبير في هذا الاتجاه. أما الصفة التي لا تعجبه في جيل اليوم فهي التطرف والغلو في الشباب، وعدم تقبل الآخرين، والتعصب للرأي، وأنه الصحيح وغيره خطأ رغم أن ديننا يدعونا للمحبة والتسامح، وكل شيء يزيد عن حده ينقلب ضده، وبلدنا مستهدف لأنها قلب الإسلام ولأنها بارزة ومهمة على مستوى العالم ولابد أن نتحد ونلتف حول قيادتنا.» وترجم له في (موسوعة تاريخ التعليم في المملكة العربية السعودية في مائة عام) وزارة المعارف ط2 مج٦ ١٤٢٣هـ ٢٠٠٣م «ناصر بن علي بن عبد الله الموسى .. من مواليد روضة سدير، تلقى تعليمه العام في معهد النور بالرياض، ونال شهادة الثانوية منه عام ١٣٩٦هـ ثم ابتعث إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وحصل على شهادة البكالوريوس في مجال علم اللغات وعلم النفس من جامعة سان فرنسيسكو الحكومية عام ١٤٠٠هـ ثم على شهادة الماجستير في مجال التربية الخاصة مع التركيز على شؤون المعوقين بصرياً، من الجامعة نفسها عام ١٤٠٢هـ ثم على شهادة الدكتوراة في مجال التربية الخاصة (مع التركيز على شؤون المعوقين بصريا) من جامعة فاندربلت عام ١٤٠٧هـ وحصل على درجة أستاذ مشارك عام ١٤١٥هـ. عمل معلماً في معهد النور بالرياض لمدة أربعة أشهر عام ١٣٩٧هـ بعد حصوله على الشهادة الثانوية، عين بعد نيله لدرجة الدكتوراة أستاذاً مساعداً بقسم التربية الخاصة بكلية التربية في جامعة الملك سعود بدءاً من عام ١٤٠٨هـ وكلف بأعمال رئيس قسم التربية الخاصة خلال المدة ١٤١٢ - ١٤١٤هـ، ثم رئيساً لقسم التربية الخاصة خلال المدة ١٤١٤ - ١٤١٦هـ، وبعد ذلك انتقل إلى وزارة المعارف حيث كلف مشرفاً عاماً على التربية الخاصة بها عام ١٤١٧هـ وما يزال قائماً بأعمال هذا المنصب، وهو يرأس اتحاد الشرق الأوسط للمكفوفين بدءاً من عام ١٤١٨هـ حتى الآن، كما أنه عضو في اللجنة التعليمية ولجنة الرعاية بجمعية الأطفال المعوقين، وعضو في فريق البحث الوطني لدراسة الإعاقة لدى الأطفال المعوقين بالمملكة، وعضو في لجنة تنسيق خدمات المعوقين، ويرأس الهيئة الاستشارية لشؤون المكفوفين. من آثاره: - كتاب تعليم قراءة وكتابة برايل في معاهد النور بالمملكة العربية السعودية. - المنهج الإضافي ودوره في تنمية المهارات التعويضية لدى الأطفال المعوقين بصرياً. - بحث دمج الأطفال المعوقين بصرياً في المدارس العادية، طبعيته، برامجه، مبرراته. - بحث مدى تأثير الاختلافات الأرثوغرافية على السلوك القرائي لدى الطلاب المكفوفين في المرحلة الثانوية وله عدد من الدراسات والمشاركات العلمية داخل المملكة وخارجها..». ص٣٣٩ ويكيبيديا: ناصر بن علي عبد الله الموسى (١٩٥٦هـ) هو أكاديمي سعودي عين عضوا في مجلس الشورى السعودي بأمر ملكي في ٢٩ صفر ١٤٢٤هـ الموافق ١١ يناير ٢٠٠٣م. يعد ناصر الموسى أحد رواد خدمة المكفوفين في المملكة لما قام به من دراسة بحثية وخدمات تهدف للرفع من مستوى حياة المكفوفين.