أيَّتُها الحقيقة.. من رآكِ؟
المفكر السعودي “عبد الله القصيمي 1907 -1996م” قال في كتابه “أيها العقل.. من رآك” ((إن جميع الكائنات تعيش بالحقيقة عدا الإنسان، فهو وحده تقتله الحقيقة، فالحيوان يعيش مندمجًا في واقعه، لا يسأل عن المعنى، ولا يقلقه التناقض. أما الإنسان فمبتلى بالوعي، والوعي باب الحقيقة، وباب الألم في آنٍ واحد)). من أكثر المفردات دورانًا على الألسنة مفردة “الحقيقة” نرددها كما نرتشف الماء والقهوة، حتى فقدت كثيرًا من هيبتها، وأصبحت لازمة خطابية يتكئ عليها المتحدث حين يبحث عن فكرة ما، أو يلتقط أنفاسه، أو يضفي على قوله مسحة يقين مع رفع الحاجبين. مسكينة أيتها “الحقيقة” فكل يدّعي وصلًا بكِ، ولم نسمعكِ تقرّين لأحدٍ بذاك. وبذا نشأ السؤال العنيد ماهي “الحقيقة”؟ وهل لها وجود مستقل، أم أنها نسبية، أم أنها ترف لفظي نتواطأ بغير وعي على استعماله؟ إنها قلق إنساني قديم يتجدّد مع كل عصر. “الحقيقة” ليست كلمة تلوكها الألسن فحسب، بل هي وهم أزلي. كتبت مقالًا بعنوان “الحقيقة.. والجوازي الشاردة” نٌشِرَ في هذه المجلة “مجلة اليمامة” بتاريخ 13/08/2025م، وحيث لا يزال في نفسي شيء من قلق “الحقيقة” فإن السؤال يظل قائمًا: ما “الحقيقة”؟ فالفلسفة اليونانية القديمة أجابت بطريقتها. حيث رأى “أفلاطون 420قم – 340قم” ((أن الحقيقة ليست فيما نلمسه ونراه، بل في عالم مفارق، عالم المثل، حيث الثبات والكمال. أما عالم الحس فظلّ ناقصًا)). ثم جاء “أرسطو384ق م – 322 ق م “ الذي جعل “الحقيقة” في مطابقة الفكر للواقع. فلم يعد هناك عالم مفارق، بل واقع طبيعي يمكن للعقل أن يطابقه. هكذا تأسست “نظرية المطابقة” التي ظلّت تحكم الفكر الغربي قرونًا. لكن هذه الطمأنينة لم تدم مع الحداثة، فقد بدأ الشك يتسلل. فهذا “ديكارت 1596 -1650م” بحث عن يقين لا يقبل الشك، فوجد “الحقيقة” في “الأنا المفكرة”. ثم جاء “إيمانويل كانط 1724 – 1804م” ليقول ((إننا لا نعرف الأشياء كما هي في ذاتها، بل كما تظهر لنا عبر بنية العقل)). ومع “فريدريك نيتشه 1844 1900م” انهار السقف كله، حين قال ((لم تعد الحقيقة يقينًا عقليًا، بل أوهام نسينا أنها كذلك)). في المقابل، يقدّم الفكر الإسلامي الكلاسيكي تصورًا مختلفًا، حيث يرى الحقيقة متجاوزة للإنسان، لأنه ليس مصدرها. بل الله هو الحق، وما الوجود إلا أثرٌ من آثاره. الإنسان لا يصنع “الحقيقة” بل يسعى إلى اكتشافها. ومع ذلك، فإن إدراكه محدود، ومعرّض للخطأ. حيث تقول الرؤية الإسلامية ((الحقيقة في ذاتها ثابتة، لكن فهمنا لها نسبي)). وحيث أن “الحقيقة” قد تفضح أوهامنا، وتمزق أقنعتنا، وتعرّي دوافعنا، فقد قال “القصيمي” ((إن الإنسان وحده تقتله الحقيقة. لأنه الوحيد الذي يسأل: لماذا أنا هنا؟ وما المعنى؟)). في زمن الإعلام الرقمي، أصبحت “الحقيقة” سلعة تباع وتشترى في سوق الطروحات المتنافسة، فالأخبار تتسابق، والروايات تتكاثر، والسرديات تتنازع، ولم يعد السؤال: ما “الحقيقة”؟ بل: أي رواية ستنتصر؟ هنا أتساءل: هل أمست الحقيقة ترفًا لفظيًا؟ فكثرة الاستهلاك تميت المعنى. وحين يصبح كل شيء “حقيقة” فإن “الحقيقة” تفقد معناها. أما التواضع المعرفي فإنه ليس ضعفًا، بل شرطٌ لـمحاورة “الحقيقة”. ومن يدّعي امتلاك “الحقيقة” كاملة، فإنه يحولها إلى أداة هيمنة. ومن ينكر وجودها مطلقًا، فإنه يحوّلها إلى فوضى. “الحقيقة” ليست يقينًا ثابتًا، غير أنها ليست وهمًا مطلقًا. إنها أفقٌ عالٍ، كلما اقتربنا منه ابتعد، لكنه يشير إلى الاتجاه. ربما لم يرَ أحدٌ “الحقيقة” كاملة. لكن كل إنسان لمح طرفًا منها، من رؤيته الرغبوية، ومن تجربته الشخصية، ومن معاناته الدائمة. وهنا يبرز سؤال مركزي: هل “الحقيقة” قائمة بذاتها خارج الإنسان؟ أم أنها تتشكل ضمن وعيه وسياقه الثقافي؟ هذا السؤال لم يُحسم بعد آلاف السنين من الجدل، لكنه يكشف انقسامًا عميقًا، فإن كانت “الحقيقة” مطلقة، فهي لا تتغير بتغير الأهواء، وإن كانت نسبية، فهي تتبدل بتبدل الثقافات والسياقات. في النهاية، قد لا نستطيع تعريف “الحقيقة” تعريفًا جامعًا مانعًا. لكن يمكننا أن نعيش بصدق في طلبها، وأن نقبل ألمها دون أن نحولها سلاحًا يؤلم الآخرين، وأن ندرك أنها أكبر من لغتنا، وأعمق من مصالحنا. أظن أنه لن يرى “الحقيقة” أحد إلا في يوم القيامة لقوله تعالى “قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ” الآية (26) سورة سبأ. وكما تساءل القصيمي”أيها العقل، من رآك؟” فإنني أتساءل: أيُّتها الحقيقة.. من رآكِ؟