ما أشبه الحياة بالهدوء الذي يعقب الرعود..

ماذا يتبقى بعد انتهاء الضوضاء؟

ترافق الضوضاء لحظات عدة من حياتنا كمرافقة الضجيج للرعود، و تتعالى الأصوات مع مختلف تقلبات الحياة و ما تحمله في جعبتها من أفراح و أحزان، لحظات يشعر المرء فيها و كأنه بلغ قمة العالم أو قاعه. في لحظات الفرح، تتردد عبارات التهنئة في مجالس الأعياد، و تتزاحم أصوات التصفيق في قاعات التخرج، و تعلو الضحكات في مغامرات الأصدقاء، و تمتلئ نظرات الفرح في ليالي الزفاف. أما في لحظات الحزن، فيعلو صوت البكاء عند فراق الأحبة، و تتصاعد عبارات الاستغاثة عند حلول الأزمات. قد تبدو هذه اللحظات مزدحمة بالمشاعر و ممتلئة بالضوضاء، لكن لا بد من أن يعقبها هدوء تام، كما يعقب الرعود سكون في الأرجاء. هذا الهدوء لا يقلل من حقيقة هذه المشاعر التي كانت صنيعة المواقف، و لا ينتقص من ضجيج الأصوات التي رافقت تلك اللحظات، لكنه يعيد تنسيقها في إطار أكثر واقعية، تظهر من خلاله مشاعر أكثر توازناً تلازم الإنسان على المدى الطويل بصورة أكثر وضوحاً. الرعود التي تدوي في السماء تهدأ في لحظة ما، فيتساءل الكون من حولها: ماذا يتبقى بعد انتهاء الضوضاء؟ في مجالس الأعياد، على سبيل المثال، تستحوذ عبارات التهنئة و المباركة على الأجواء، و يرافق الفرح تلك الأيام السعيدة مرافقة تامة. الجميع يريد الاحتفاء باللحظة، و صنع ذكريات عظيمة مع أحبته، فهي أيام يتشاطر فيها أناس من مختلف مناطق العالم البهجة ذاتها. لكن لا بد من أن ينقضي اليوم، و تصمت الضحكات، و يتجه كل منهم إلى منزله، و يغلق باب داره عليه، و ما تبقى من ذكرى يوم جميل قد أصبح ذكرى دافئة في فؤاده، ذكرى هادئة لا تشبه على الإطلاق لحظة ضجيج السعادة التي صنعتها. فضوضاء العيد غير مهمة الآن، بل دفء اللحظة و عمق الشعور. أما في قاعات التخرج، فلا يتصدر المشهد سوى أصوات التصفيق و نظرات الفخر. فهناك من يشهد لحظة تخرج فرد من أفراد عائلته بعدما عاش معه سنوات الدراسة الشاقة و لياليها الصعبة، و هو الآن يراه سعيداً بين الحشود و يسمع اسمه ينادى أمام الملأ بكل فخر. و بعد مغادرة تلك القاعة، يصبح الخريج وحيداً مرة أخرى، في لحظة لا تزال مليئة بالفخر و البهجة، فقد حصد ما يستحقه من نجاح و تقدير، لكنها لحظة أكثر هدوءاً و واقعية، لحظة تصحبها تساؤلات حول المستقبل و الخطط القادمة، لحظة هي من نصيبه وحده. و في مغامرات الأصدقاء، فالأصوت المتعالية تدب فيها الحياة و الحركة، ما بين مغامرة على سفوح الجبال أو فوق رمال الصحراء. الطبيعة تشاركهم اللحظة، و مع كل اكتشاف جديد و عقبة في الطريق، تتزايد هذه الأصوات لتحفر في القلوب ذكرى خالدة لهذا الوقت المميز. و بعد انقضاء الرحلة، تهدأ تلك الأصوات و يهدأ الانبهار بالاكتشافات، و لا يتبقى سوى ذكريات حية و صداقة صامدة. أما بالنسبة لليالي الزفاف، فالدعوات و التهاني تتساقط كالأمطار، فالقلوب سعيدة و الضحكات عالية، و الجميع مستمتع باللحظة بكل ما فيها من أحاسيس. و بعد انقضاء كل هذه الضوضاء، يجد المرء نفسه أمام رفيق دربه، لتبدأ رحلة العمر بكل صفاء و محبة و هدوء. ضجيج الفرح كان مؤقتاً و انتهى، أما السرور في دواخل المحبين الطاهرين فهو دائم. و كما تصاحب الضوضاء لحظات الفرح و السعادة، فهي ملازمة أيضاً للحظات الحزن. فراق الأحبة صعب، و تعامل كل إنسان مع ظروف الفراق بمختلف أشكاله غير متماثل. فقد تعلو صرخة الألم، و قد تتعالى أصوات عباراته، ليس اعتراضاً، بل ترويحاً عن النفس. هذه الأصوات غير مشابهة في طبيعتها لتلك التي تظهر في لحظات الفرح، لكنها لا تزال كالرعود التي تسبق الهدوء. فبعد الفراق و البكاء، يبقى شيء أعمق، و هي قدرة الإنسان على التكيف مع الوضع الجديد. فالفراق لم يكن يوماً لحظة سفر أو موت لعزيز فحسب، بل ما يتبعه من تسليم للواقع و عودة لحياة قد لا تشبه تلك التي سبقت الفراق في شيء، لتكشف الحياة مرة أخرى عن حقيقتها بعد ذلك الألم، و تبرهن بأنها و على الرغم من ذلك كله، لا بد أن تستمر. أما في لحظات الأزمات، فتتردد في الأرجاء عبارات الاستغاثة و طلب المساعدة، فضربات القلوب متسارعة و الأنفاس متلاحقة و المخاطر قريبة. يملأ الصخب المكان و التوتر سيد الموقف حينها، في لحظة يعيش فيها الإنسان حالة اليقظة القصوى. و بعد انقضاء الأزمة، يهدأ ذلك القلب و يزول التوتر، و يحمل معه الإنسان دروساً من تجربة مر بها، انقضت و لم تقضِ عليه. الحياة في حقيقتها مشابهة للرعود و الهدوء الذي يليها، فالضوضاء رغم قوتها لا بد أن تنتهي، و الهدوء رغم بساطته لا بد أن يعود. حين يهدأ العالم، تبرز قيمة لحظات السكينة و الطمأنينة، هذه اللحظات كفيلة بإعادة توازن الإنسان شعورياً و منحه فرصة لترتيب أفكاره. حين ينقضي الضجيج، تظهر لحظة يديرها الوعي الخالص و الإدراك الحقيقي، و نؤمن حينها بأن ما يصنعنا و يشكلنا لم يكن يوماً حدثاً أو صوتاً أو نظرة أو ضوضاء خارجية، بل فهم داخلي تجمّل بالصمت الذي يأتي من بعد ذلك كله. *الرّياض، المملكة العربيّة السّعوديّة