( القَيُّوم )

القَيُّوم : اسم من أسماء الله الحسنى ، ورد في الذكر الحكيم ثلاث مرات ، في بداية آية الكرسي وبداية سورة آل عمران ، وفي سورة طه ،وفي كل مرة يرد مرتبطا باسم الله ( الحي)، واقتران اسم الله (القَيُّوم) باسم الله (الحي) في هذه الآيات، له دلالة عظيمة، ذلك أن اسم (الحي) يشمل جميع صفات الكمال الذاتية لله -عز وجل-، واسم (القيوم) يشمل جميع صفات الكمال الفعلية له – سبحانه -، وجَمْع النوعين من صفات الكمال الذاتية والفعلية، جمع لكل صفات الكمال المطلقة بصورها المتعددة. القَيُّوم : هو القائم بذاته ، المستغني عن غيره ، الذي يقوم بكافة شؤون الكون والخلق بمفرده ، ويسيرها وفق مشيئته دون توقف (قامَ ) الذي أصله ( قَوَم ) تحت مادته من حيث الألفاظ المشتقة ومعانيها المحسوسة والمعقولة كلام كثير جدا ، ولا اختلاف على مدلولاتها .. لكن : تحت أي اشتقاق يمكن أن يندرج لفظ ( القيوم ) ؟ الأقرب للذهن أن في مدلول معناه قدر من المبالغة ، بل مبالغة المبالغة إن جاز التعبير ، تشترك معه أسماء حسنى وردت في القرآن أو الحديث الشريف تدل على ما بعد أو فوق المبالغة ومنها : ( سُبُّوحٌ ، قُدُّوسٌ)، إلا أن هناك اختلافا صرفيا من حيث الجذر، فالاسمان الاخيران جذرهما صحيح : (سَبَحَ/ سَبَّحَ ، قَدَسَ/ قَدَّسَ ) ، بخلاف (القيوم) الذي مادة جذره الأصلية ( قامَ / قَوَمَ ) المعتل الأجوف. ومعلوم أن الشائع في صيغ المبالغة الخمس المعروفة، أن صياغتها تكون من الثلاثي ، وقلما تصاغ من الرباعي ، بل إذا أمكن صياغة واحدتها قد لا يمكن صياغة البقية ، كما نقول في : ( أقدم / مقدام) ، و ( أعطى / معطاء ) ويصعب صياغة الأربع الصيغ المتبقية .. وربما يستحيل ذلك مع فعل مثل : ( بَعْثَر) و ( دَحْرَج ) ** ماذا عن ( بعثور / دحروج ) ؟! الظاهر أن : ( قَيُّوم ) ليس من صيغ المبالغة الخمس التي تشتق من الثلاثي (قام / قوَم) وهي كما تعلمون : قويم = فعيل قوَّام = فعّال مقوام = مفعال قووم = فعول قَوِم = فَعِل سأورد لكم جزءا مما جاء في لسان العرب حول هذه المسألة التي تتعلق بالشكل الصرفي : وقال الزجاج : القيُّوم والقيَّام في صفة الله تعالى وأَسمائه الحسنى القائم بتدبير أَمر خَلقه في إنشائهم ورَزْقهم وعلمه بأَمْكِنتهم . قال الله تعالى : وما من دابّة في الأَرض إلا على الله رِزْقُها ويَعلَم مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعها. وقال الفراء : صورة القَيُّوم من الفِعل الفَيْعُول ، وصورة القَيَّام الفَيْعال ، وهما جميعاً مدح ، قال : وأَهل الحجاز أَكثر شيء قولاً للفَيْعال من ذوات الثلاثة مثل الصَّوَّاغ، يقولون الصَّيَّاغ . وقال الفراء في القَيِّم : هو من الفعل فَعِيل، أَصله قَوِيم ، وكذلك سَيّد سَوِيد وجَيِّد جَوِيد بوزن ظَرِيف وكَرِيم ، وكان يلزمهم أَن يجعلوا الواو أَلفاً لانفتاح ما قبلها ثم يسقطوها لسكونها وسكون التي بعدها ، فلما فعلوا ذلك صارت سَيْد على فَعْل ، فزادوا ياء على الياء ليكمل بناء الحرف ؛ وقال سيبويه : قَيِّم وزنه فَيْعِل وأَصله قَيْوِم ، فلما اجتمعت الياء والواو والسابق ساكن أَبدلوا من الواو ياء وأَدغموا فيها الياء التي قبلها ، فصارتا ياء مشدّدة ، وكذلك قال في سيّد وجيّد وميّت وهيّن وليّن . قال الفراء : ليس في أَبنية العرب فَيْعِل ، والحَيّ كان في الأَصل حَيْواً ، فلما اجتمعت الياء والواو والسابق ساكن جعلتا ياء مشدّدة … انتهى ********* الذي خطر في بالي وهو قابل للنقاش والأخذ والرد ، وفي اللغة سعة للجميع .. خطر لي أن : ( قَيُّوم ) من الفعل الرباعي (قَيْوَم ) وحينما أُريد صياغة المبالغة منه جاءت لفظة ( قَيْوُوْم ) وهذا ينطبق على: (سبُّوح / قدُّوس ) مع فارق سأوضحه لاحقا.. وهذه الكلمات - ولا استبعد وجود شبيهات لها في لغتنا الرحبة - لا تدل على المبالغة، ولكنها تدل على مبالغة المبالغة . ( سَبَّحَ / قَدَّسَ) أرى أصلهما : ( سَبْوَحَ / قَدْوَسَ) = ( فَعْوَلَ) ثم جاءت مبالغة المبالغة منهما : ( سبُّوح / قدُّوس ) = ( فعْوُوْل) هناك من يرى أنها : ( فعُّول ) ،واللفظان لهما ذات الزمن الصوتي . الفارق في ( قيُّوم ) هو وجود العلة في جذره الأبعد : ( قام / قوَم ) وفي جذره الأقرب الذي افترضته : ( قَيْوَمَ ) الذي جاءت منه مبالغة المبالغة : ( قَيْوُوْم ) - هل ينطبق عليه : ( فعْوُوْل / فعُّول )؟! ربما يصح ذلك ، ولكن وجود حرف العلة يشكل عائقا ، فالجذر ليس صحيحا كما هو الحال في : (سبُّوح / قدُّوس) لذلك يبدو لي أن : ( قيْوُوم = فيْعول ) كيف ذلك ؟! وجود حرف الياء ، شكل ضغطا صوتيا نتج عنه قلب الواو الممدودة إلى صوت يتوافق مع الياء وهو ياء مماثلة تم إدغامها في الياء الأولى ليكون شكل الكلمة وصوتها : (قيُّوم = فيعول) هذا والله أعلم