ليل الفقد ونهار البدايات.
“لكن الشباب يا ليلى هو القدرة على البدء من جديد”تختتم ليلى حوارها مع نفسها، وتمسح عن رمشها الأسود الكثيف دمعة تنتظر أن يؤذن لها بالسقوط، وترفع قدمها عن دواسة الفرامل في طريق مزدحم مليء بالتناقضات التي لم تعهد رؤيتها قبل أن تنتقل إلى هذه المدينة المزدحمة من أجل العمل، نعم لم يعد المجتمع يناقش مشروعية عمل المرأة من عدمه بل فتح لها المجالات كلها بالتحديات كلها.. تتساءل ليلى وهل من عودة إلى مدينة الضباب بين قمم الجبال الشاهقة؟ وإن كان هل سيطيب لي العيش وسط فقد مريع؟ ووسط ضباب ذهني يغيّب عني المعنى؟ لكن من قال أن الفقد لا يحاصرني هنا.. وأن المعنى حاضرًا هُنا! ما المعنى؟ على كلٍ يجب أن أخرج من زحمة هذا الطريق لأن د.أحمد حذرني كثيرًا من اجترار الأفكار إلا أنني في مثل هذه اللحظات محاصرة، من كل الجهات. وعليّ أن أنجو، ومثل كل مرة تصل إلى منزلها متأخرًا رغمًا عنها وبعد نهاية ساعات العمل بقرابة ساعتين، تدير مفتاح الشقة، تسحب قدميها بثقل مدينة كاملة، ونصف عمر، تخطو خطوات متباطئة بعدما ركضت طويلًا، تحتضن صورتها الحقيقية بعد ساعات طوال من الاغتراب، وما أن تسدل عباءتها على أريكة الغرفة وتهم بالاستلقاء حتى تنهض كمن يفزع من منام، لتصلي المغرب قبل الشروع باذان العشاء، تنهي الصلاة وتستلقي على سجادتها كمن يبحث عن دليل، عن لحظة استنارة، وعن علامة للوصول، تغفو ثم يرن منبه الهاتف: “موعد د.أحمد - بعد ٤٠ د” تقرر إلغاء الموعد، وإنهاء اليوم، يقتطع أفكارها صوت الهاتف من جديد :”مكالمة فائتة من نورة” نورة أختها الأكبر سنًا، بينهما سنوات طويلة، هي من رافقتها وشهدت على نجاحها وفشلها ومحاولاتها وتخبطها وسعيها، حاولت دعمها بما تستطيع، وسعت دوما لتوجيهها، نورة هي الباقي في حياة ليلى، وهي الثابت الوحيد رغم تقلب الظروف ومراراتها، نورة هو الباقي من حنان والدتها، وهي الباقي من قوة أبيها، نورة هي الاطار الذي بقى من صورة العائلة التي غابت، بغياب الوالدين. قلوب الأخوة حاضرة إلا أن وجدهم غائب، كلٍ في عائلته الخاصة، ظروف عمله، ومتطلبات حياته، نورة هي التي مسحت على رأس ليلى يوم وفاة والدتها، وهي التي وضبت لليلى الحقيبة عندما انتهت اجازتها بعد وفاة والدها. تحن ليلى لمدينتها كلما شعرت بالغربة، فتذكر بأن الغربة الحق في مدينتها وهي خالية ممن تحب ومما تعهد.. تحمل ليلى ذواتها في حقيبتها أينما ذهبت، وتأمن ليلى حينما تستحضر ذكرياتها فهي وحدها القادرة على تبديد غربتها، لكن د.أحمد يقول بأن العيش في الماضي بوابة الاكتئاب، والخوف من المستقبل بوابة للقلق والذي هو رفيق حميم وبوابة ذهبية للاكتئاب، إذًا ليلى محاصرة، من أين لها لحظة راهنة وسط هذا الزحام، وهذا الشتات؟ يرن الهاتف من جديد ويظهر اسم نورة مرة أخرى، كان صوتها أثقل من أن تنطق بغير الحقيقة وكان قلبها أحن من أن تثقل بحزنها روح أحدهم، لكنها كانت بحاجة لأن تسمع ذلك الصوت الممتلئ بدفء البيت القديم، والهم الصغير، جاءها صوت نورة الهادئ المتفائل كما اعتادته: ليلى، هل أنت بخير؟ ردت ليلى وهي تدّعي الحماسة: أنا بخير لكن يومي طويل، كيف حال طفلك الصغير؟ تبادلوا الأحاديث ولم تطل المحادثة رغم أن ليلى شعرت ببعض السلوان إلا أن نورة أدركت أيضًا أن هناك هم لا تنزعه الكلمات، انتهت المكالمة بقولها: انتبهي لنفسك ليلى ولا تبطين عنا بلهجتكم الجديدة! ههه” أغلقت ليلى الهاتف وتنهدت تنهيدة عميقة بإبتسامة صادقة فلم يزل يحيطها حب حي على هذا الوجود، بقيت للحظة تحدق في المكان من حولها، ثم ألتفت إلى ساعة هاتفها، “مازال هناك متسع من الوقت لألحق بموعد د.أحمد!” ربما لم تعد البدايات مرتبطة لديها بنجاح كبير انما بخطوة صغيرة في مساء يوم عادي وسط مدينة مزدحمة غير آبهة بها، نهضت مدفوعة بأمل هذه اللحظة، ألتقطت عباءتها، حملت ذواتها المهترئ منها والسعيد، في قلبها يقين تشكل خلال السنتين الأخيرة بأن ليل الفقد مهما طال قد يفسح طريقًا للبدايات الجديدة، ويقين يذكرها بأن هذه البدايات لا تحمل شيئًا من قيمة ما فُقد… ويقين يخبرها بأن الحياة لن تنتظر شفاءها حتى تستمر، لكن كل ماحققت من نجاحات لم تكن تحلم بها يومًا، لم يشهد عليها من آمن بها، فتألم لهذا وتسلو به في لحظة أخرى. خرجت ليلى من الموعد، مثلما دخلته، فتحت التقويم أضافت إجازة قصيرة بعد أسبوع إلى مدينتها، إلى ذاكرة كاملة، إلى طريق آمن، رغم انه لم يعد يعرفها.. وعليها أن تقلّص من ذاتها التي نمت بعيدًا عنه حتى تنسجم معه من جديد، لكنه تحبه، وتحن إليه، توضب حقيبتها وتتساءل: هل يبدأ الشفاء من نهار يسطع وسط الجبال؟ ام من وجه نورة وطفلها تحت ضباب المدينة؟