ما تبقى بعد الحادث.

لم يكن هناك ضجيج كبير، فقط صمت ثقيل يلتصق بالجدران. أقف في المطبخ، أحاول أن أعدّ كوبًا من الشاي، لكن يدي ترتجف، والملعقة تهتز في الكوب. أمام النافذة، السماء رمادية، وكأنها تعرف ما حدث قبل أن أعرفه أنا. أبي لم يعد إلى البيت بعد الحادث. أمي جالسة في الصالة، تحدق في شيء لا أراه، تتحرك بشكل متقطع، وكأن الوقت توقف عندها. لا أحد يتحدث، ولا أحد يعرف ماذا يقول. حتى الراديو في الغرفة لا يجرؤ على تشغيل أي صوت. أتذكّر كل شيء: صوت الانقلاب، صدى الزجاج المكسور، صرخة صغيرة اختفت قبل أن تصل إلى أذني. أتذكّر الرائحة: نفاذة، معدنية، واضحة… لم أستطع نسيانها. أحيانًا أظن أن البيت لا يزال ينبض بذلك الصدى، أن كل زاوية تحمل وقع الحادث وكأنها لا تريدني أن أنساه. في الليل، أحاول أن أنام، لكن كل شيء يتحرك أمامي: صورة مكسورة على الطاولة، كرسي مقلوب، ساعة توقفت عند الثانية الخامسة عشر. حتى الظلال في الغرفة تشبه أطراف الأصابع، تتحرك ببطء وتراقبني. البيت يئن، أنا أئن، وكل شيء يبدو كأنه سيصبح جزءًا من الصمت إلى الأبد. أحاول أن أفعل أشياء عادية: غسل الصحون، ترتيب الغرفة، صنع الشاي. لكن كل حركة تبدو بلا معنى، كأن الحادث ابتلع النكهة والحرارة من كل شيء. أمي تضع فنجانًا أمامي بصمت، أرفع عينيّ، لا تبتسم، لا تنظر إليّ، فقط تنظر إلى شيء آخر، ربما إلى الحادث نفسه. أحدهم قال: «الحياة تستمر». لكن ما تبقى بعد الحادث… ليس الحياة. إنه الفراغ. الفراغ الممتد في الصالة، في المطبخ، في داخل كل شيء… الفراغ الذي يلتصق بالصدر، ويكتم الكلام، ويجعل الحركة مجرد واجب مؤقت. أقف عند النافذة مجددًا، أنظر إلى الشارع الفارغ. السماء رمادية، الطيور نادرة، وكل شيء يبدو كأنه ينتظر شيئًا لم يحدث بعد. وأنا أفكر: ربما كل ما بقي بعد الحادث هو انتظار الصمت ليصبح كاملًا… ليصبح المنزل كله مرآة لما فقدناه، مرآة لما لم يُقال، وما لن يُقال أبدًا.