القالب الثقافي السعودي.

القالب الثقافي هو”البصمة الوراثية” للمجتمع التي تجعله متميزاً عن غيره، وفي السياق السعودي،فإن القالب الثقافي ليس مجرد تراث قديم،بل هو منظومة حية تتطور باستمرار،في حالة استثنائية من”الصلابة المرنة”؛فهو نسيج أصيل ومتطور،مسبوك في قالب يجمع في مكوناته أنماط النشاط البشري من علوم،ومعارف،وفنون، وعادات،وتقاليد ذاتية ومكتسبة،يشترك في إنتاجها وانتهاجها أفراد المجتمع،وتمتاز بالقيمة والثبات . ورغم التداخل في المفهوم بين القالب الثقافي،والموروث الشعبي-عند البعض-، إلا أن الفرق بين المفهومين بعيد في المعنى قريب من حيث الهدف؛فالقالب يشكّل”الوعاء”،أو النظام المشغّل،بينما الموروث هو”المحتوى”،وبمعنى آخر يعتبر الموروث هو”الكنز”الذي نملكه،أما القالب الثقافي فهو”الطريقة”التي نستخدم بها هذا الكنز لبناء الصرح الثقافي . وقد أظهرت القوالب الثقافية السعودية قدرة فائقة على التمدد أفقياً ورأسياً لاستيعاب المتغيرات دون أن تنكسر أو تفقد خواصها .  إن هذا الثبات والمواكبة لم ينشأامن فراغ،بل هما قاعدتان ترتكزان على ركائز متينة،تتمثل في: -النواة الصلبة؛فهناك عناصر في القالب السعودي لا تقبل التفاوض لأنها تشكل الدرع الحقيقي له لارتباطها بالدين كمرجعية دستورية وأخلاقية . -الولاء واللحمة الوطنية بالالتفاف حول القيادة والوطن ككيان جامع يتجاوز كل اعتبار . -المنظومة القيمية التي امتاز بها الوطن وشعبه؛فالكرم،والنخوة،والتعاون….،قيم تحكم السلوك وتقوده،وهي تنتقل من جيل إلى جيل بشكل تلقائي،حتى أصبح المجتمع يتنفسها،ويشعر أنها ضرورة حياتية كضرورة الماء والهواء .  هذه الركائز والأسس ساعدت القوالب الثقافية الوطنية على المواكبة الذكية للمتغيرات العالمية من خلال”سعودة” التحديث ليتلاءم مع النسيج الثقافي السعودي . ولو تأملنا في التحول الرقمي الذي قطعت فيه المملكة شوطاً طويلاً في وقت قياسي يحسب لها،لوجدنا أنه جاء موزعاً بنسق احترافي وموضوعي،شمل جميع الجوانب العلمية والعملية والخدمية،وهي بذلك لم تقف عند استيراد التقنية وتوظيفها في خدمة المشروع الوطني،بل جعلتها جزءاً من روتين المواطن الخدمي . لقد كان لتمكين الكوادر الوطنية من الدخول في سوق العمل المهني والتقني كجزء من الشخصية والهوية الوطنية الطموحة والمنافسة عالمياً أكبر الأثر في إبراز القالب الثقافي السعودي كعنصر هام من عناصر التشكيل الثقافي العالمي . فما نراه اليوم من مواهب فتيّة فخمة تساهم في إنتاج وتصميم برامج عصرية وتطبيقات رقمية شملت كل المجالات العلمية والعملية والأدبية والفنية،مما جعل من التراث الثقافي”كائناً حياً”يعيش بيننا ومعنا،وليس مجرد ذكريات عن الآباء والأجداد .  نعم لقد كان للأجيال التي قبلنا -مشكورة-قصب السبق في صبّ تلك القوالب الثقافية،وصهروا فيها نتاجهم بشتى صوره في حدود إمكاناتهم،لكن بناء الأوطان والشعوب ومواكبة عجلات التطور لم يكن في يوم من الأيام وقوفاً على الأطلال والتغني بها أو البكاء عليها؛لذلك جاءت”الرؤية”؛رؤية 2030 كمهندس لهذا القالب يرسم التوازن بين”الأصالة”و”الرؤية”؛لتشكِّل بصمة وراثية للمجتمع تميّزه عن غيره،ويعتمد عليها كقوة من منظومة القوى الناعمة . وهي لم تأتِ لتستبدل الثقافة السعودية بأخرى،بل جاءت لتستثمر في مكامن القوة بداخلها المتمثلة في العمق العربي والإسلامي، والثقل السياسي، والقوة الاقتصادية، والموقع الجغرافي، مؤكدة أن القالب الثقافي السعودي أثبت أن الاعتزاز بالماضي لا يتناقض مع الاستثمار في المستقبل،وأن الثبات هنا لايعني “الجمود”،بل”الرسوخ”الذي يسمح بمواجهة الرياح العاتية دون الانجراف معها أو التأثر بعوالقها .  وهذا هو سرّ قوته،حيث نجح في حل المعادلة الصعبة لكيفية فتح الأبواب للعالم دون فقد مفتاح الهوية الخاصة، وأثبت أنه ليس مجرد رمال ونخيل وتراث شعبي،بل إنسانٌ استطاع أن يحول إرثه إلى لغة عالمية تصل الجميع ويفهمونها، ونموذجٌ للهوية المحصّنة التي لا تخشى الانفتاح الذي لاينسلخ من الجذور،وثقافةٌ مضادة للذوبان لأنها تتقن الحوار .