حين تتحول الذائقة إلى محكمة.
كيف تكون كاتبَ نثر في عالم لا يزال يقيس الأدب بالقصيدة؟ أن تكون كاتب نصوص نثرية لا يعني أنك فشلت في أن تكون شاعرًا، ولا أنك تقف في الظلّ انتظارًا لاعتراف مؤجَّل. هذا يعني ببساطة أنك قد اخترت طريقًا آخر للغة ؛ طريقًا لا يتكئ على الوزن وإنما على الرؤية ولا يستعير موسيقى جاهزة بل يصنع إيقاعه من الداخل. في الأمسيات الأدبية يتكرّر هذا الإرباك الصامت تجلس لتقرأ نصًا نثريًا فتُقابَل بنظراتٍ متحفّظة أو تعليقات مؤجَّلة أو مقارنات مستعجلة بأسماء «أكبر» و«أشهر» وكأن النثر يحتاج إلى إذنٍ مسبق أو إلى تبرير دائم لوجوده أو كأن القصيدة وحدها تملك حق الحضور والإنصات. من هنا تبدأ معركة كاتب النثر الحقيقية لا مع الجمهور بل مع الفكرة الراسخة في أذهانهم. أن تكون كاتب نثر فإن ذلك يعني أن تؤمن بأن اللغة ليست قالبًا واحدًا وأن الدهشة لا تحتاج إلى قافية كي تولد وأن النثر ليس أقل شأنًا وإنما أكثر مخاطرة لأنه يقف عاريًا من الموسيقى التقليدية ويُحاسَب مباشرة على المعنى وقدرته على الإمساك بالقارئ دون عكّازٍ وزني. أما أولئك الذين يواجهونك بأسماء فلان وفلان فغالبًا لا يفعلون ذلك حبًا بتلك الأسماء بل خوفًا مما يجهلونه المقارنة هنا ليست أدبية بقدر ما هي دفاعية في محاولة لإعادة النص إلى منطقة مألوفة يمكن تصنيفها والحكم عليها بسرعة. كاتب النثر الحقيقي لا يخاصم القصيدة ولا ينافسها ولا يطلب مقعدها لأنه يعرف أن لكل نصٍّ طبيعته، ولكل روحٍ لغتها، ويُدرك أن بعض الاعتراضات لا تنبع من رفض النثر بقدر ما تنبع من كسر التوقّع. لذلك حين تكتب نصًا نثريًا اكتب كما لو أنك تكتب للمرة الأولى، لا لتقنع بل لتكشف فالزمن في النهاية لا يتذكّر الأشكال، يتذكّر ما قيل بصدق مهما كانت هيئته. وأسوأ ما قد يواجه كاتب النثر ليس النقد بل التهديد الرمزي كأن يُلوَّح له بأسماء غائبة وبحكايات من نوع «لو علم فلان بوجودنا في أمسية نثرية لقاطعنا، وكتب فينا مقالًا لاذعًا». هنا لا يعود الحديث عن أدب بل عن رقابةٍ غير مكتوبة تُمارَس باسم الهيبة لا باسم اللغة وباسم الخوف لا باسم الذائقة. كأن حضور أمسية نثرية صار جرمًا غير معلن أو خيانةً سرّية لمعسكر القصيدة وكأن الأدب قبيلة لا تتّسع لاختلاف الصوت. في مثل هذا المناخ لا يُحاكم النص بما فيه، بل بمن قد يغضب منه ولا يُقاس الجمال بصدقه، بل بحجم الخصومة المحتملة. ومن هنا لا يصبح النثر ترفًا ولكن أكثر ضرورة لأنه يكتب خارج سطوة الاسم وخارج منطق «إيّاك أن تكتب فهناك من قد ينزعج». ثم من المؤسف حين تتحوّل منصّات التواصل إلى ساحات تراشق لتطال في هذه الفترة بعض الأدباء حول شرعية الأشكال الأدبية بين من يُصرّ على أن الشعر لا يكون إلا عموديًا ومن يدافع عن القصيدة الحداثية والنثرية بوصفها حقًا مشروعًا في الكتابة والانتشار ، هذا الجدل في جوهره لا يتعلّق بالشعر بقدر ما يتعلّق بالذائقة، وبالخوف من المختلف أكثر مما يتعلّق بالحفاظ على الأصالة. فاللغة كائن حيّ لا يقف عند حدّ ولا يتجمّد في شكل واحد مهما بلغت عظمته. ما كان يومًا خروجًا عن المألوف أصبح اليوم جزءًا من المتن ،وما يُهاجَم اليوم قد يكون غدًا شاهدًا على مرحلة كاملة من الوعي والتجربة ، ليس مطلوبًا من النصوص أن تُشبهنا كي نعترف بحقها في الوجود، فاختلاف الطرق لا يعني فساد الغاية واختلاف الذائقة لا يُبطل التجربة ، الكتابة في جوهرها فعل مشاركة لا فعل إقصاء والأدب لا يزدهر بالتشابه وإنما بالحوار ولا يحيا بالحراسة الصارمة بل بالتجريب وحين ندرك أن اللغة أوسع من أن تُختصر في قالب واحد سنفهم أن هذا التنوّع ليس تهديدًا للشعر وسنعرف بأن هذا أحد أدلّة حيويّته.