عن قصيدتي « مسرى » و « شهد الخلي » ..

قراءة جديدة في تجربة أحمد السيد عطيف .

حين نقرأ تجربة الشاعر أحمد السيد عطيف قراءةً متأنية، ندرك أن الحديث عن “الأفضل” أو “الأقوى” في شعره ليس أمرًا يسيرًا؛ فقصائده – في مجملها – جميلات، حتى تلك التي أتعبته وأخذت من روحه قبل أن يعطيها. غير أن بعض النصوص تتقدّم في الوعي الجمعي لا لأنها أرفع مقامًا بالضرورة، بل لأنها جاءت متمردة، مندفعة، متواطئة مع رغبة البوح، فالتقطتها الأسماع سريعًا، واحتفت بها المنابر، واستقوت بحضورها الجماهيري. وهنا تبرز مسألة دقيقة في تلقي شعره: هل التمييز بين القصائد قائم على القيمة الفنية الخالصة، أم على لحظة انفعال خاصّة، تواطأ فيها التمرد مع الشغف، فخرج النص أكثر اشتعالًا وأسرع نفاذًا إلى الجمهور؟ إن بعض قصائد الشاعر تتقدّم لأنها جاءت مندفعة، مستسلمة لتمرّدها، متحررة من حسابات الرزانة والاقتصاد. قصائد تحضر فيها الرغبة في البوح حضورًا كاملًا، فتجد جمهورها في الحال، وتتلقفها الأسماع، ويمنحها توافر خصائصها الفنية – من إيقاع متين، وصور مكثفة، وعبارة موحية – قدرة على السيطرة والانتشار. كأنها دخلت “حديقة الجمال” وفي يدها كل أدوات الصيد، وكل المصدّات التي تحميها من السقوط. وفي المقابل، ثمّة قصائد من العيار الثقيل، رزينة، مكتفية بذاتها، لا تلهث خلف التصفيق، ولا تسعى إلى أسر اللحظة. قصائد يبتعد فيها الشاعر قليلًا عن حضوره الشعوري الطاغي، فتغدو أكثر هدوءًا، وأشدّ عمقًا، لكنها لا تنال ما تناله تلك المتمردة من ذيوعٍ وانتشار. لا لأنها أقل جمالًا، بل لأنها أكثر وقارًا. من هنا تنبع رغبتي في إعادة قراءة الموازنة بين قصيدتي «مسرى» و**«شهد الخلي»** للشاعر نفسه. فقد اعتادت الذائقة – ربما – أن تضع «شهد الخلي» في موقع متقدم، بوصفها قصيدة ذات حضور قوي، واندفاع تعبيري، وطاقة خطابية آسرة. غير أن إعادة التأمل تكشف أن «مسرى» تكاد تحتل موقعًا محاذيًا لها، إن لم تتقدم عليها في بعض مستويات النضج الفني والصفاء الدلالي. «شهد الخلي» نصّ يحتفي بالحضور، يتوهّج بإيقاعه، ويمنح القارئ شعورًا فوريًا بالقوة والتماسك. أما «مسرى» فتسلك طريقًا آخر؛ أكثر هدوءًا، وأعمق تأمّلًا، وأشدّ احتشادًا بالمعنى. إنها لا تستعرض قوتها، بل تفرضها بهدوء. لا تصرخ لتُسمع، بل تُصغي إلى ذاتها أولًا، فتجبر القارئ على الإصغاء معها. وإذا كان الجمهور قد انجذب – بطبيعته – إلى النص الأكثر حرارةً واندفاعًا، فإن القراءة النقدية المتأنية قد تعيد الاعتبار للنص الرزين الذي لا يقل جمالًا، بل ربما يتفوّق من حيث البناء الداخلي، وتكامل الرؤية، وعمق التجربة. إن إعادة الموازنة بين «مسرى» و«شهد الخلي» ليست تراجعًا عن تقدير الأولى أو الثانية، بل هي محاولة لإنصاف التجربة كاملة. فالشاعر لا يُختزل في قصيدة واحدة مهما علا شأنها، ولا تُقاس تجربته بلحظة تصفيق عابر، بل بقدرته على إنتاج نصوص متباينة المزاج، متكافئة القيمة، مختلفة المسارات. ولعل «مسرى» اليوم تقف على تخوم ذلك الموقع المتقدم، محاذيةً «شهد الخلي»، لا في منافسةٍ معها، بل في تكاملٍ يُثري المشهد، ويؤكد أن جمال التجربة عند أحمد السيد عطيف لا يتجسد في تمردٍ واحد، ولا في قصيدةٍ واحدة، بل في تنوّعٍ قادرٍ على الجمع بين الاندفاع والوقار، بين الاشتعال والتأمل، بين الصوت العالي والهمس العميق.