السُّوريَاليَّةُ أو ما فوقَ الواقعيَّة حركةٌ انبثقت لتجاوزِ الواقع والانفتاحِ على الخيال، مع استثمارِ مكوِّنات العالم وأشيائِه، حيث تمزجُها لتكوين رؤيةٍ مختلفة، إذ لا تكتفي بالوقوفِ أمام الصور الجامدةِ والمتشكِّلة سابقاً، إنما تسعى إلى الانفلاتِ من كل المعاييرِ القبليَّة؛ من أجل إنتاجِ الجديد وغيرِ المسبوق، وهو ما يسعَى إليه ديوانُ “لأنها الغابةُ كان ينتظر نهراً أو نيزكاً” للشاعرِ محمد إبراهيم يعقوب. التجريبيَّة سمةٌ من سمات السُّوريَاليَّة، إذ تسعى إلى استكشافِ مناطق مجهولةٍ وأساليب غيرِ مألوفة؛ بهدف إفساحِ المجال لمخيَّلة المتلقي لرؤيةِ أبعاد الوجودِ من زوايا أكثر اتساعاً، وهو ما استثمرهُ الشاعر في توظِيفه لثلاثة عناصِر هي: الذاتُ والشعر والعَالم، حيث حضرَت بوصفها ركَائز الرؤية، والطريقَ الموصل إلى الدَّهشة، ثم أضاف لها الحبَّ والأنثى والتوسُّل بالمشاعر للوصولِ إلى المتلقي والتأثيرِ فيه. الذاتُ والشعرُ والعالمُ تنصهر عبرها جميعُ الدلالات والمعاني، حيث الشاعرُ لا يحضر بصفتهِ الإنسانية، بل كحالمٍ وخالق للتفاصِيل، فهو مهجوسٌ بالخلاص لتغييرِ العالم من مساوئِه، ولا يتمُّ التغيير إلا بالمرورِ من الذات، التي تنتقلُ في تحولاتها وتفاعُلاتها، وصولاً إلى لحظة الكشفِ النهائي المتمثِّلة في لقائها بالأُنثى: “الشعر مغامرةٌ كبرى الأسئلة اليقظى شكٌّ صحيٌّ لا غيبَ يضيءُ حدوث العالمِ شأن شخصي جدا” اعتمدَ الشاعر على “الحدسِ” الذي قاده في جميعِ سلوكياته وأفكَاره، فلا شيءَ معروف أو يمكن التنبُّؤ به؛ لذا عليه الاعتمادُ على حاسَّة الشعر، التي تعملُ على ضبط إيقاعِ حركات العَالم، مثلما يضبط الوزنُ حركات الأحرفِ في الأبيات، فالشعرُ هو الوجه الآخرُ للعالم، ولا يمكنُ لهما أن ينفصلا؛ لأنَّ انفصالهما يعني سيادةَ المساوئ والشرور ونهايةَ البشرية والوجُود: “اخترتُ طريقي السيرَ وحيداً في سُبحات الذات الإنسانية إحجاماً خَلقيًّا عن فعلٍ يسترعي نظر العالم رسمَ الصور النافرة الفكرة في ذهنٍ يتسلى العصيانَ المدني على كلِّ ضجيجٍ بشريٍّ حدسَ مشاعر قبل البوح بها” الشاعرُ لا يمتلك سوى مخيَّلته لرؤية العالمِ واستكشافه، فما بينَ ذاته وبينَ الوجود ثمَّة مسافة خاليةٌ من كل شيءٍ إلا من الحدس، وعبره يعيدُ تصميم العالمِ وتشكيله، لتكونَ أهم أداةٍ في صياغة رُؤيته، لهذا يحتاج “التنبُّؤ” واستشراف الآتي، إذ في عالمِ الشعر لا شيءَ يقيني، كما أن الوجودَ برمته ليس حقيقيًّا، بل شكٌّ أبديُّ يستمر باستمرارِ الشاعر وحضُوره، وهو ما يتيحُ للتجريب أن يُمارس؛ بهدف خلقِ واقع مغاير ورؤيةٍ واسعة: “في عقلي بضعُ نيازك، أعتدُّ بما لم أُنجز بعدُ، نبوءاتي ضربة حظٍّ لم تُخطئ، أخّرتُ ظهوري، ما لم أملكهُ ألذُّ، أعيش على قدمٍ واحدةٍ متّزناً، أرفضُ أن يُستفتى القلب، خصوصيّاتي تتهرّب مني، حاجاتٌ في النَّفس تظلُّ، عريقاً في كشف الحيل الإنسانيّة” انقسمَ الديوان إلى خمسةِ أجزاء: “كتاب الطبائع – كتاب الذوق – كتاب التعليلات الناقصة – كتاب النفس – كتاب النبوءة”، جميعها تركِّز على الذات في مقاربةِ الوجود وكيفية النظرِ إليه؛ ما يشير إلى الانكفاءِ والنظر للداخل، من أجلِ رؤية الخارج والقدرةِ على إحداث أثرٍ فيه، وهو ما انتهَى إليه في كتابِ النبوءة، حيث استشرافُ الآتي ومحاولةُ فهمه. استخدامُ الغابة يأتي بسببِ تنوع المخلوقاتِ داخلها، فالحياة غابةٌ تتعايش ضِمنها الكَائنات، وفيها يمكنُ حدوث أيِّ شيء المتوقَّعُ وغير المتوقَّع، وكذلك ينبغي أنْ يكون الشِّعر، وهذا ما يقودُ إلى الترقُّب والانتظار، والاستعدادِ المستمر لاقتناصِ الفرص حينما تَسنح، وهو ما يكرِّس الشعور بالفرديَّة والذاتيَّة، التي ستغدو مقياساً تقاس به تفاصيلُ العالم وأحداثِه: “لم أمتلك إلا اعتياداً فوضويًّا بالشرود أمسُّ أعطال الهوى العذريّ أشرح للنيازك – متعباً – علم العروض ألوم سيدةً على هجرٍ بلا سبب إلهيٍّ أُحبُّ المقعد الخشبيّ يهجس بانتظارٍ ثالثٍ أُصغي إلى اللون الرماديّ ابتداءً أحتفي بهشاشةٍ عصبيَّةٍ” الفضولُ والرغبة في المعرفةِ وكشف الأسرارِ والعلاقات هاجسٌ ملازم للشَّاعر، وطريق فتحَ أمامه أبواب التجريبِ الكتابي، فاتَّجه إلى تسجيلِ الوقائع الغرِيبة، والأمور غيرِ المألوفة، والأشياء التي لا حاجةَ له بها، حيث جمعُ المتشابهات والمختَلِفات، والمتوقَّعات وغير المتوقَّعات، مدوناً كل الأشياءِ بجوار بعضِها، ما تنسجمُ وما لا تنسجِم؛ لأنه يرى أنَّ العالم يتكوَّن ويسير بهذهَ الطريقة: “ماذا عن شعرٍ لا يعرف أحداً في الحي، التجريبِ اللغويّ، فهارس تأنف من أسئلة الناس، غموضِ القصد، مجازاتٍ مغلقة، مفردةٍ تهزأ بالقاموس، قصائد تشبه ترجمة الشعر الألماني، مدونةٍ عاجزةٍ عن مسّ الوتر الحساس وغير مجلّلةٍ باسم الحريّة” العالمُ حالة من التمازُج بين الأشياءِ المختلِفة، ولا يعني التنافُر والتضادُّ عدم تلاقي الأشياءِ والأشخاص، بل يعني أن كلَّ شيء، مهما كان بعيداً أو غير متوقَّع، يمكن أن يحدُث، وكما أن الغابةَ تحتوي “نهراً”، يمكن أيضاً أن تحتوي “نيزكاً”، فحكمة الحياة تتجلَّى في جمعها للمختَلِفات، وتكوينِها من المتناقضات عالماً مستقرًّا قابلاً للعيش: “ماذا نفعل: في الحظّ العاثر / في الأسرار الشخصية جداً / في كارثةٍ حلّت / في الحبّ الأول / في ثِقل الأقساط البنكية / في أعراض دواءٍ تظهر / في السكتات القلبيّة / في لفظٍ سوقيٍّ لا نتجرأ أن نُسمعه أحداً” جمعُ المتضادَّات ومقاربة المختَلِفات لبناء عالمٍ قائم على الدمجِ والمزج؛ يشاكلُ التجريب الكتابي المعتمِدَ على الدمجِ بين الكتابة النثريةِ والشعرية، والمزجِ بين المعاني والدلالاتِ المتباعِدَة والمتناقِضَة؛ من أجل فتحِ المخيَّلة على مزيد من الاحتمالاتِ والعلاقات، الأمرُ الذي يكشفُ عن سُوريَاليَّة الديوان؛ في سعيه لتجاوزِ الواقع والانطلاقِ نحو تأسيسِ شعرية، قائمةٍ على جمع الأشياءِ التي لا تجتمع، وليسَ بينها أيُّ صلة.