أولمبيا لندن تحتضن صنّاع الفكر عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق. هذا العام، لا يعد المعرض مجرد منصة لبيع وشراء حقوق النشر، بل هو مختبر حي لمناقشة مستقبل الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي، ونافذة تطل منها الثقافات العالمية على بعضها البعض. ومعرض لندن للكتاب ليس مجرد تجمع للناشرين، بل هو «غرفة عمليات» كبرى تقودها أضخم دور النشر في العالم. شهد المعرض هذا العام حضوراً لافتاً لمجموعات مثل (بلومزبري/Bloomsbury ) التي يقودها نايجل نيوتن، وBonnier Books، وHachette Livre، بالإضافة إلى عمالقة النشر الأكاديمي والتعليمي مثلWiley وPrinceton University Press. لاتكتفي هذه المؤسسات بعرض نماذج من اصداراتها فقط، بل تستخدم المعرض كمنصة لإعلان الاندماجات الكبرى، وتوقيع عقود عابرة للقارات، وتحديد «الترند» القادم في عالم القراءة، سواء كان ذلك في أدب الرعب للناشئين أو كتب تطوير الذات التي تعتمد على البيانات. تطوير الصناعة: من الورق إلى الخوارزميات يعمل المعرض كمحرك أساسي لتطوير صناعة الكتاب من خلال مسارات رئيسية هي: ثورة الذكاء الاصطناعي والتخصيص: لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للكتابة، بل تحول في دورة 2026 إلى محرك لاكتشاف الكتب. وكالة((Book Discovery مثلا ناقشت في جلسات المعرض كيف يمكن للخوارزميات مساعدة القراء في العثور على كتبهم المفضلة بعيداً عن تحيزات وغراءات «الأكثر مبيعاً»، مما يمنح الكتاب المستقلين فرصة أكبر للوصول لقرائهم. استدامة سلاسل التوريد: في ظل الأزمات اللوجستية العالمية والتوترات الأقليمية، ركز المعرض على تقنيات «الطباعة عند الطلب» (POD) والطباعة المحلية لتقليل التلوث الكربوني واحتراق الوقود الناتج عن الشحن الدولي، وهو ما يغير جذرياً نموذج العمل التقليدي الذي يعتمد على المخازن الضخمة. سوق الحقوق المتقاطعة (Cross-Format Rights): تطورت صناعة الكتب لتصبح صناعة محتوى، وليست صناعة ورق؛ حيث تم في المعرض التفاوض على تحويل الكتاب إلى بودكاست، أو مسلسل لمنصات البث الرقمي، أو حتى تجربة تفاعلية في «الميتافيرس»، مما يطيل عمر العمل الأدبي ويزيد من عوائده الاقتصادية. معايير الوصول العالمية (Accessibility): مع دخول قوانين تداول المطبوعات الأوروبية حيز التنفيذ، تحول المعرض إلى ورشة عمل كبرى لضمان أن تكون الكتب الإلكترونية (EPUB3) والصوتية متاحة للجميع، بما في ذلك لذوي الاحتياجات الخاصة، مما يوسع قاعدة القراء عالمياً. المشاركة العربية: حضور نوعي ومبادرات رائدة شهد هذا العام حضوراً عربياً استثنائياً تميز بالانتقال من «العرض» إلى «التفاعل المباشر» مع سوق النشر العالمي، مما يشير أن الأدب العربي لم يعد معزولاً، بل أصبح شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل المعرفة. إن النجاح الحقيقي للمشاركة العربية هذا العام يتجسد في تلك الجسور التي بُنيت بين الناشر العربي والوكيل الأدبي العالمي، مما يَعِد بوصول الصناعة الابداعية العربية إلى أرفف المكتبات في كل مكان. أبرز المنصات العربية: جناح المملكة العربية السعودية، حيث شاركت بقوة عبر هيئة الأدب والنشر والترجمة، ركز الجناح السعودي على بناء شراكات دولية لترجمة الأدب السعودي إلى لغات العالم. كما شاركت جهات كبرى مثل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ودارة الملك عبدالعزيز، مما عكس تنوع المشهد الثقافي السعودي ضمن رؤية 2030. دولة الإمارات العربية المتحدة: برز حضور مركز أبوظبي للغة العربية الذي استعرض مبادرات رقمية متطورة، مثل التعاون مع منصة أمازون لتوفير آلاف الكتب الصوتية والإلكترونية. كما قدمت مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة برنامجاً حافلاً بجلسات «استراحة معرفة» التي ناقشت واقع الكتاب العربي وكيفية تطويره للوصول الى قاعدة قراء عالمية. كما شهدت المنصة قراءات شعرية للشاعر العراقي عدنان الصائع. وتميزت منصة مؤسسة محمد بن راشد للمعرفة هذا العام بكونها «ملتقى» (Hub) اجتمع فيها الأدباء والمثقفون العرب المقيمون في أوروبا، مما جعلها القلب النابض للدبلوماسية الثقافية العربية في لندن. أما هيئة الشارقة للكتاب فشاركت بجناح ضخم عكس رؤية الشارقة كمركز عالمي للثقافة والقراءة. لم تكن مشاركتها مجرد عرض للكتب، بل كانت محطة استراتيجية لربط الشرق بالغرب من خلال عدة محاور: الترويج لمعرض الشارقة الدولي للكتاب 2026: استثمرت الهيئة وجودها في لندن لدعوة كبار الناشرين والوكلاء الأدبيين للمشاركة في الدورة القادمة من معرض الشارقة (الذي يعد الأكبر عالمياً على مستوى بيع وشراء الحقوق)، مؤكدة على مكانة الإمارة كبوابة أولى لسوق الكتاب العربي. منحة الترجمة: ركز فريق الهيئة على تفعيل «منحة الشارقة للترجمة»، التي تدعم الناشرين العالميين لترجمة المؤلفات من العربية وإليها، وهو ما ساهم هذا العام في إبرام عشرات الاتفاقيات لنقل الأدب الإماراتي والعربي إلى لغات أوروبية وآسيوية. المنطقة الحرة لمدينة الشارقة للنشر: قدمت الهيئة عرضاً شاملاً للمزايا التي توفرها «مدينة الشارقة للنشر» (أول منطقة حرة للنشر في العالم) لجذب دور النشر العالمية لتأسيس فروع إقليمية لها في الشارقة، مما يعزز من سلاسل التوريد وتوزيع الكتاب العالمي في المنطقة العربية. جوائز الشارقة العالمية: تم تسليط الضوء على جوائز الهيئة المرموقة، خاصة جائزة «ترجمان» وجائزة معرض الشارقة الدولي للكتاب، مما أثار اهتمام المترجمين والناشرين الأجانب الساعين للتواصل مع الثقافة العربية. أبرز اتجاهات معرض لندن للكتاب عام 2026 لم يخلُ المعرض من النقاشات الجادة حول قضايا الساعة في عالم النشر: الذكاء الاصطناعي: سيطر الجدل حول حقوق الملكية الفكرية للكتب المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. الاستدامة: التوجه نحو «النشر الأخضر» وتقليل الانبعاثات الكربونية في صناعة الورق والشحن. وداعاً لـ «أولمبيا»: ساد المعرض جو من العاطفة، لكونها الدورة الأخيرة التي تُقام في مركز «أولمبيا» قبل انتقال المعرض رسمياً إلى مركز «إكسل لندن» (ExCeL) في عام 2027. * لندن