التاريخ مُعادًا، أيها المعلّم، من يراك!
نحو أسبوع ثالث من الحرب الأمريكية/الإسرائيلية على إيران. تقارير ومحللون وخبراء كُثر يخشون أن وقتاً ليس بالقصير ما زال أمامها، مع تداعياتٍ على الاقتصاد والطاقة والأمن الغذائي والمائي، ليس على المنطقة فحسب، بل العالم بأسره. ولأن محطات ومنصات العالم تنقل أحداث الحرب وتحللها على مدار الساعة، فلن أزيد هذا الوارد المكتظ زحامًا، بل سأمضي لفِناءٍ بعيد ومفارق.. وأطرح تساؤلين، أحدهما عن العقلين العربي والإسلامي في عمقهما، بوصفيهما جذراً مشتركاً لنشوب هذه الكوارث وتكرارها. والثاني يخصّنا في السعودية، أو بالأدق؛ يخص ما يطالنا من واقعةٍ لأخرى! أولًا: لا أعرف لماذا يأبى أكثر العرب وأغلب المسلمين أن يتعلموا من التاريخ، لا القديم منه، وقد جربوه قروناً، ولا حتى وهو يحدث بينهم أو فيهم أو بجوارهم، كما هو اليوم، وأعني – تحديدًا – الدرس المُعاد ألف مرة؛ أنه لا مستقبل لأية فكرة مغلقة، من رؤوس الأفراد إلى المجتمعات إلى رأس السلطة. أن الأيديولوجيات النّشِطة – دينية أو دنيوية – التي تحتكر الحقيقة الواحديّة، وتغذّي مشروعيتها بالأحلام والشعارات والخرافة، ثم تذهب في استعداء العالم، ليست سوى عماءٍ تام، وخروج محتوم من الزمن، وأخيراً تنتهي إلى أسوأ المآلات وأفظعها قتامة! اليوم.. ينكتب أمام أعينهم درس التاريخ مجددًا: 45 سنة موحشة في إيران.. وكان يمكن لها أن تكون، بمواردها وموقعها ومكانتها وثراء تركيبتها الديموغرافية والجغرافية والثقافية، أنموذج الازدهار والاقتصاد والتنمية، وعدوى النجاح الكبير والانفتاح على العصر في المشرق كله، لكن فكرةً من الجحيم (الولي الفقيه) أخذت كل هذه الفرص ووضعتها في قبضة ملبوسين، حكموا 90 مليونًا بالنار والقمع والمشانق داخل إيران، انتهى بقرابة نصفهم لمواجهة الفاقة. بالنسبة للخارج فقد راحوا يوزعون - بالوكالات - الموت والخراب والاضطراب، تعطيل التنمية والسطو على مدن الجيران وعواصمهم الأعزّ! الثاني؛ أنه منذ منتصف القرن المنصرم وصولاً إلى اليوم، وفي كل الأزمات/الخلافات/الحروب، سواء أكانت السعودية طرفًا فيها أو لم تكن، أتساءل.. لماذا كانت وما زالت مكنات دول وأحزاب وميليشيات وأدواتها الإعلامية تعيد تدوير السذاجة نفسها، أي محاولاتهم إحداث شرخ في علاقة المجتمع السعودي ببلاده وقيادتها، أو تهييج مكوناته المختلفة على بعضها البعض! لعقود طوال والسرديات الكاذبة المُضلّلة هيَ هيَ، دونما ابتكار. الشيء الوحيد الذي تغيّر هو الوسائط؛ من الورق إلى الأونلاين، ومن شاشات الأخبار وخطب الجماهير إلى اليوتيوب والتيك توك ومواقع التواصل.. إلخ! شخصيًا، وفي لقاءات وحوارات وجدالات مع مثقفين وغيرهم في بلدان عدة، كانت بقدر ما تفاجئني قناعاتهم وتبنّيهم لتلك السرديات أو إحداها، بقدر ما يفاجئني حجم الجهل المطبق بالسعودية كلّها، وما حدث ويحدث فيها، فضلاً عن فهم بُناها وتركيباتها الاجتماعية، وكُنْه علاقاتها وأشكال سلوكها وممارستها، سواء ببعضها أو بعلاقتها بآل سعود، العائلة الحاكمة، وطبيعة مشروعيتها القائمة والممتدة من كل هذا الضمنيّ الشاسع والأصيل بين الناس، جيلاً بعد جيل، ناهيك عن فهم الجذور التاريخية والثقافية بتعقيداتها واعتباراتها العربيّة الرفيعة لكل هذا! لك أن تتخيل – أيها القارئ – مثلاً؛ أن مدير محطة تلفزيونية ضخمة، بطواقمه وبرامجه وضيوفه، أو رئيس تحرير صحيفة، بجوقة كتّابها، بألقابهم والصفات، إلى حسابات التواصل بنجومها وزائفيها ومغرضيها، لا يستطيعون فهم ما يفهمه رجلٌ بين إبله في بادية، ولا فلاحٌ في الريف وسط حقله وصغاره، ولا بحّارة بشباك صيدهم في السواحل، ولا حتى سائق تاكسي، أو بائعة على “بسطتها” في مدينة صغيرة، في السعودية! لا يعرفون شيئاً عن هذه الألف باء من علم الاجتماع حين يتعلق الأمر بالسعودية وناسها، فأهدروا وقتهم وأموالهم الطائلة لأحقاب، وما زالوا يفعلون، ولم ولن تُفلح يومًا! بكل حال؛ في هذه الأوضاع وسواها.. ستمضي السعودية اليوم، كما فعلت من قبل، وستفعل غداً ودوماً بعون الله، برباطة جأشها ورجاحتها السياسية، التي لطالما تحلت بها في مختلف الصروف والأحداث، وهذا ما نثق به على الدوام. حمى الله بلادنا.