المسافة المقبولة

لم يتّفقا على شيء، ومع ذلك كان بينهما اتفاق غير مكتوب. مسافة صغيرة، بالكاد تُلاحظ، لكنها ثابتة بما يكفي لتمنع الاصطدام. التقيا أول مرة في مكان عادي، لا يحمل أي احتمال رومانسي واضح. حديث قصير، أسئلة مألوفة، ونبرة مهذّبة. لم يحدث ما يستحق التذكّر، لكن شيئًا ما قرّر أن يبقى. ليس شغفًا، ولا إعجابًا صريحًا، بل ارتياح خفيف، يشبه الجلوس على كرسي مناسب بعد يوم طويل. في اللقاءات التالية، تعلّما قواعد اللعبة دون أن يتحدّثا عنها. لا أسئلة عن الماضي البعيد. لا وعود للمستقبل. ولا اعترافات متأخرة في المساء. كانا يلتقيان بانتظام، في التوقيت نفسه تقريبًا، المكان نفسه، الطاولة نفسها. يجلس كلّ منهما في موقع محفوظ، يتركان فراغًا محسوبًا بين الكرسيين. فراغ لا يلفت نظر الآخرين، لكنه بالنسبة لهما كان ضروريًا، كنافذة صغيرة تضمن دخول الهواء. يتحدّثان عن العمل، عن تعب الأسبوع، عن أشياء حدثت دون أن تترك أثرًا عميقًا. وحين يقترب الحديث من منطقة حسّاسة، كان أحدهما يغيّر الموضوع بسلاسة، وكأنهما تدربا طويلًا على تجنّب ما قد يفسد التوازن. كانت تعرف أنه يستطيع الاقتراب أكثر. وكان يعرف أنها لن تمنعه. لكن كليهما لم يفعل. المسافة المقبولة لم تكن خوفًا، بل خيارًا. كلّ واحد منهما كان يحمل حياة مكتملة نسبيًا، بتشققاتها الصغيرة، ولم يكن مستعدًا لإعادة ترتيبها. القرب التامّ يتطلّب شجاعة إضافية، ومسؤولية لا يريدان حملها. أحيانًا، حين يتأخّر أحدهما دقائق، يشعر الآخر بقلق خفيف، سرعان ما يختفي عند الوصول. ليس خوفًا من الفقد، بل خوفًا من الاضطرار إلى الاعتراف بشيء أكبر. لم يلمسها. ولم تطلب. لكن التفاصيل كانت تقول ما لا يُقال: طريقة إنصاته لها، تذكّره لتفاصيل يومها، صمتها حين تتعب، ونظرته حين تفهم أنه يفضّل البقاء هكذا. في نهاية كل لقاء، كان الوداع بسيطًا. لا توقّف طويل، لا التفات زائد. يمشي كلّ واحد في اتجاه مختلف، وكأنهما يعيدان تثبيت الحدود التي كادت تقترب أكثر مما ينبغي. وفي الليالي الهادئة، كان كلّ منهما يفكّر بالآخر قليلًا، بالقدر الذي لا يربك النوم، ولا يفرض قرارًا. اختارا البقاء دون اقتراب كامل، لا لأن الحب لم يكن ممكنًا، بل لأن المسافة، أحيانًا، هي الطريقة الوحيدة ليستمرّ شيء ما دون أن ينكسر. *كاتبة ليبية