قراءة في ثلاثية خليل الفزيع (القيصرية، حريق القيصرية ، القيصرية الجديدة) (2)
ملحمة التحوّل ومنطلق النهوض في ثلاثية الأجيال ومعترك الآمال.
تداعى إلى ذاكرتي بعد أن فرغت من قراءة ثلاثيّة القيصرية سؤال مهم حول تصنيفها في إطار ماعرف برواية الأجيال ؛ بمعنى أنها ترصد التحوّل الاجتماعي و القيمي والحضاري للمجتمع من خلال حياة أسرة امتدت لثلاثة أجيال كما هو واضح في ثلاثية نجيب محفوظ ؛ خصوصاً وأن القيصريّة بأجزائها الثلاثة تبدأ بالأب ممثّلا في خليفة (أبو فارس) الذي شغلته قضية الإنجاب والخوف من اندثار النسل ، وظلّت محوراً رئيساً من محاور الرواية امتد في أبنائه كما في الجزء الثالث من هذه الثلاثيّة، وعانى منها (عوض و عائشة) أبناء خليفة، وصبيّه الذي يشاركه في هذا الاسم فلم ينجيا من الوقوع في أسرها ، الأمر الذي تمّت معالجته بتبنّي اثنين من أحفاد الأسرة (أسرة الربيعاني) غير أنه من الواضح – على الرغم من تعدد السرديات في هذه الثلاثية بتعدد الرواة - أن المحور الرئيس الذي يتبدّى عبر بقاء (القيصرية) بوصفها البؤرة المركزيّة في عناوين الروايات الثلاث هي مناط الاهتمام والتركيز ، وبالتالي يبرز الفضاء المكاني في مقابل تعاقب الأجيال الذي ظلّ ماثلاً في شخصيات هذه الروايات الثلاث، وإن تقاطعا في كثير من الأحيان ؛ وبالتالي لا يبدو استبعاد هذه الثلاثية من كونها رواية أجيال بأية حال من الأحوال ؛ فضلاً عن كونها ذات رؤية حضارية تاريخيّة تضيء مرحلة مهمة في تاريخ المجتمع. وكنت في المقالة التي تناولت فيها الجزء الأول ممثلا في (القيصرية) قد اشرت إلى سوق القيصرية بوصفه علامةً سيميائيّة ذات دلالة مركزيّة وكونها مرجعيةً تتناسل عبرها الأحداث و الوقائع و تعود إليها مرجعيّة زمانيّةً ومكانيّة ، وفضلاً عن كونها قاعدة تنطوي على بنية اجتماعية اقتصاديّة سلوكيّة حضاريّة تعكس ثقافةً اجتماعية، و توثّق مرحلةًً ذات طابع تاريخيٍّ حضاريٍّ؛ فإنها تبدو أيضا ذات بُعد أُسري له علاقة بالأصول الإنثروبولوجيّة التي احتضنت أجيالاً ثلاثة من أسرة الربيعاني وامتداداتها الاجتماعيّة ، وثّقت البعد التاريخي للمجتمع المحيط بها عبر الوصف و التحليل الذي رافق أحداث الرواية ،ولم يكتفِ مؤلفها بالرصد عبر التعاقب السرديّ فحسب ، و في الجزء الثاني منها (حريق القيصرية) كان المنطلق إلى تحوّلٍ حضاريٍّ على مستويات متعدّدة :عمرانيّة وتقنيّة واقتصاديّة واجتماعيّة ، وارتبط ذلك بالجيل الثاني من أبناء الأسرة ممثلاً في (فارس) وأطواره والتحوّلات التي انتابت شخصيته وماورِثه من والده من أزمات ومشكلات ، فكان الشخصيّة الرئيسة في هذا الجزء ، وقد استقطب في سلوكه وطريقة تفكيره الاهتمام بالمحيط الاجتماعي متجاوزاً مساحة السوق ومتخطّياً لمحيطه إلى بؤرٍ هامشيّة ذات دلالة قيميّة عبر تلك السهرات الماجنة التي كان يقيمها من عُرِف ب(الرّجال) حيث الفساد والإفساد، فتجاوز به قِيَم السوق إلى تلك المستنقعات الاجتماعيّة التي ارتبطت ببعدٍ اقتصاديٍّ طُفَيليٍّ يناقض القيم التي أرساها سوق القيصرية عبر الكسب المشروع ، كان التحاق فارس النجل الأكبر للفاعل الرئيس في الرواية بها ، وهو الذي عزم على التوبة ومغادرة حمأة الرذيلة ، ولكن الفتنة ظلت تطارده لتوقعه في حبائلها ثانيةً ولكتها هذه المرة انطوت على مسارٍ آخر قاده إلى مصير غير متوقّع . عمد الكاتب إلى السارد العليم في البداية توطئةً لمنهجه التوثيقي مُبحراً في أعماق شريحة اجتماعية هامشيّة شكّلتها ظروف الحياة ، حيث يتم تسخير الرغبات الدُّنيا لخدمة أهدافٍ مادّيّةٍ والعبث بالقيم الأخلاقيّة و الدينيّة عبر استغلال ظروف الفقر المؤدّية إلى السّقوط ، وهنا يعمد إلى تشكيل نموذجٍ أُنثوِِيٍّ من ضحايا الفقر ومستثمريه ؛ فيصوّر ما يدور في سهرات المجون لتلك العصابة التي تستبيح شرف الأنثى ممثّلة في شخصية (نسايم) الضحيّة التي اختار الكاتب لها هذا الاسم بإيقاعه المتماوج الدّال على الأنوثة المُستباحة ، وقد عمد إلى الإبحار في دواخل فارس معبراً عن الأزمة التي سبّبتها له هذه المرأة في محاولتها العودة به إلى أتون التردّي في تلك الحمأة اللاهبة ، وقد عمد الكاتب إلى تصوير ما داخَلَه من قلق و ما احسّ به من تأزُّمٍ وضعه على مفترق الطرق التي تورده ذلك المورد الآسن مرّةً أخرى ليحول بينه وبين التوبة ، وقد استثمر الكاتب (حديث النفس) الذي يناسب الحالة التي يعاني منها ، والحوار الذي يعدّ محطّة من محطّات المراجعة و المداولة حين تعاني الشخصية من مآزق تتطلب تقليب الأمر على مختلف وجوهه قبل اتخاذ القرار ، وسيلةً للإبحار في عمق الموقف الذي عاش فيه تلك اللحظات الحرجة بين طوفان الرغبة و مقاومة أمواجها الكاسحة ؛ وقد استثمر فيها لغة الإغراء وإيقاعات الشهوة ومفردات الفتنة ، و استغرق الكاتب في تحليل ذلك الموقف والتعليق عليه و الغوص في معتطياته و تحديد أبعاده وانعكاساته مبحراً في التحليل و التصوير حيث يطغى الخطاب عللى السرد و الوصف في عبارات تتفيّأ ظلال الحكمة وتحلّق في تجلّياتها، من مثل قوله:“ الماضي وإن حاولنا نسيانه يظل شبحه يلازمنا طوال حياتنا ؛ فالذكريات هي جزء من حياتنا” ص 17وقد اعتمد في نهجه السردي (الفجوة الزمنية) حيث يطوي السنين و ينقطع عن متابعة أحداثها لافتاً النظر إلى ما يطرأ من تحولات ذات أثر عميق في مسيرة الحياة الخاصّة بالشخصيّة ، أو المحيط المكاني الذي يتشكّل بوصفه شخصيةًً أيضاً، مؤثّرة في سياق الرواية ؛ فهو – انسجاماً مع نهجه السرديّ – يحرص على منح الشخصيات مساحات واسعة للتعبير عن نفسها تبوح بما يؤرّقها و يشغلها ؛ وذلك عبر تولّيها عملية السّرد بذاتها ؛ و لكنه في هذا الجزء من ثلاثيته (حريق القيصرية) يركّز أكثر مما سبق في روايته الأولى من هذه الثلاثيّة على ما يسميه نقّاد الرواية (السرد من وراء) أي الراوي العليم لأنه يتيح له الإحاطة بمختلف جوانب الشخصية ، وكذلك إفراد مساحاتٍ مستقلة لها في تركيز على أزمتها الخاصّة كما فعل في هذه الرواية؛ حيث خصّص (فصلاً كاملاً ) للحديث عن أزمة (أبو فارس) التي تمثلت في حالته المرضية وانعزاله بسبب عقوق ولده (طاهر) بشخصينه المثقلة بالمفارقات وقد منحه هذا الاسم في إشارة إلى تحوّله من الحياة اللاهية العابثة إلى الالتحق بما ظنّه تطهّراً وخلاصاً ؛ فهو جميل الطلعة مدلّل لعوب ومتديّن مُتطرف انتهى به المطاف إلى الالتحاق بتلك الأسراب التي جرفتها موجة التطرُّف إلى ما عرف (بالجهاد في أفغانستان)حرص الكاتب على تصوير التحوّل في تاريخ الأسرة و مجتمع القيصرية عبر التركيز على المتغيّرات التي ألمّت بمظاهر الحياة وانعكست على الأُسر الثلاث الرئيسة المشكّلة لعالمها ، ممثلةً في ثلاثة من أبنائها :خليفة السيد وخليفة الصبي وناصر شقيق الزهراء، واللافت أنه جعل من ميلاد (عائشة) ابنة خليفة محوراً من مجاور الحياة الجديدة التي مثّلت طفرةً في الوعي الاجتماعيّ بالتحاقها في بعثة دراسيّة خارج البلاد ؛ بالإضافة إلى الحدث المركزي ممثلاً في الحريق الذي ألمّ بالقيصريّة إيذانا بانعطافة حاسمة في تلك الحفبة ؛ لإعادة تشكيله عى نحو جديد ونمطٍ راقٍ واستثمار للتقنيات الحديثة ، ليس في الجواتب العمرانبية و الاقتصادية فحسب ؛ بل بالحياة الاجتماعية برُمّتها . تزخر رواية (حريق القيصرية ) بالأحداث و التحوّلات ؛فهي واسطة العقد تدور حول محورٍ رئيس يتّصل بالابن الأكبر لخليفة( فارس) وحواشيها أحداث تؤسّس لما بعدها ،مثل ابتعاث عائشة ابنة خليفة الصبي الذي أصبح شريكاً في مؤسسة الربيعاني ، حيث افرد لها الكاتب فصلاً كاملاً تبوح فيه بأسرار حياتها وزواجها من عوض الذي كان يدرس في أمريكا ، وهو أحد أبناء خليفة ، فأبطال هذه الرواية هم جيل الأبناء ؛ ولكنها تختلف عن ثلاثية القاهرة في أن الابن الأكبر هو الي يستحوذ على الاهتمام فيها؛ وأما الأحداث الأخرى المتّصلة بأقرانه من أبناء الجيل الثاني فتبدو أقرب إلى الهوامش المحيطة بالصفحة الرئيسة؛ وفي موازاة هذه الشخصية يأتي الحريق الذي ألمّ بالقيصرية ، وكان حدثاًً مفصليّاً وكأنه الشخصية المقابلة لفارس ، ففي مقابل السقوط الذي مُني به فارس في أحضان الخطيئة كان احتراق القيصرية التي نهضت بعده مع المحيط كله كطائر العنقاء الذي ينبعث من بين الرماد فتنشأ سوق جديدة ناهضة في شارع (السويق) ، وتتجدّد سوق القيصرية وتتجلّى معالم النهضة والحداثة فيه من خلال استخدام التكنولوجيا و وسائل العرض والتصاميم ، وكذلك الأمرفيما يتعلّق بفارس ، حيث يرتبط ب(حصة) الطاهرة الوجه البريء ل(نسايم) العاهرة ، وتُستبدَل بسقوطه في امتحان الزواج من عائشة ورفضها الاقتران به ، يتزامن ذلك مع شفاء (أبو فارس) من مرضه العضال الذي أعقب حزنه على تمرّد ابنه طاهر و التحاقه بما عرف بالجهاد في أفغانستان . ويحرز فارس نجاحاً في حياته الجديدة مع (حصة) ، وقد مضى الكاتب في نهجه السردي الذي أفرد فيه لكل شخصية من الشخصيات سرديّة خاصة على لسانه في فصل من فصول الرواية ، ولكنه في هذه الرواية كان يترك العنان للراوي العليم مهمة السرد في بعض الفصول ؛ لأن ذلك يتيح له أن يكشف عن كثير من الأسرار المتعلقة بالشخصيات و تفسيرها و تحليلها . لقد كان اهتمام الكاتب واضحاً في شحن الفصل الأخير من الرواية بأحداث لها دلالتها الرمزيّة فقد أشار إلى التحولات اتي ألمت بالشخصيات والأمكنة والمصائر : تعافى أبو فارس من مرضه ، وأعيد بناء القيصرية وتحديثها وأُنشئت سوق جديدة (السويق) و برز جيل الأحفاد الذي اكتملت به دائرة الخلف ، كل هذه الأحداث المتوازية ارتبطت بواقعة الحريق الذي بدا مِفصلاً مهماً يشير إلى التحوّل إلى منحى جديد في العلاقات الاجتماعيّة و الاقتصاديّة ؛ فالحريق - في حد ذاته - يعني الخلاص من إرثٍ قديم ؛ ففيه دلالتان متضادتان : الفناء والعذاب من ناحية، والتطهر والتجدد والانبعاث من ناحية أخرى ؛ وهذا ما أومَأَت إليه عبارة الختام: “ لا أعرف لماذا كلما سمعت صوتها تذكرت حريق القيصرية “ فصوت حصّة يذكّره بالنقلة التي قفزت بها إلى الخلاص و التطهّر ؛ حيث تحرّرت من ماضٍ بائس إلى حاضر مشرّف ، وكأنّها نضت عن نفسها ثوب العار ولبست ثوب الطهر و العفاف، شأنها شأن السوق التي انبعثت ثانيةً متجدّدة وشأن (أبو فارس) الذي شفي من مرضه وتعافى، وعائشة وعوض اللذين مثّلا النهضة العلمية والحضارية على الرغم من عُقمهما وعجزهما عن الإنجاب ؛ ولكنهما استعاضا عنه بالتبنّي . وأما الرواية اثالثة (القيصرية الجديدة) فقد أكملت هذا المشروع الروائي؛ فقد دارت في مجملها حول ما ألمَّ بأحد أبناء هذه الأسرة وهو (طاهر) من انجرافٍ وانحرافٍ نحو التطرّف و الضياع و فقدان الذاكرة ؛ فكان نموذجاً يسلّط الضوْء على مرحلة مهمة من المراحل التي مرّت بها المنطقة بأسرها في زمن ما عُرف ب (الصحوة) ومفارقاتها وآثارها الاجتماعية و الحضارية، وكنت أود أن يكون هناك متسع لأستكمل الحديث عنها ؛ ولكنني على ثقة بأنها ستنال حظها من الدراسة مستقبلاً على يد باحثين جدد,