الأسطورة في مسرحية الرمية الأخيرة.
الأسطورة في الأدب تجسد نظام رمزي كثيف. هي قصة تنشأ في الخيال الجمعي لتفسير الوجود: الخلق، الموت، الحب، الحرب، الآلهة، الأبطال. لكنها لا تعمل بوصفها تاريخًا، ولكن بوصفها لغة رمزية. فمثلاً حين يكتب الكاتب “بروميثيوس”، فهو لا يقصد شخصًا سرق النار فحسب، بل يقصد التمرّد، المعرفة، العقاب، ثمن التنوير. في المسرح تحديدًا، الأسطورة مادة ذات بنية رمزية عميقة الجذور، لذلك هي مناسبة للمسرح الذي يجسد الصراع والطقس، والأسطورة بطبيعتها طقسية وصراعية. لذلك نجد أن بدايات المسرح الإغريقي خرجت أصلًا من طقوس ديونيسوس. النص المسرحي حين يوظّف الأسطورة لا يعيد روايتها كما هي، بل يعيد تأويلها، بما يتناسب مع الزمان والمكان، وهذا ما وجدته في مسرحية الرمية الأخير للكاتبة السعودية سحر بحراوي. فمن الميثولوجيا الرومانية أخذت الأسطورتان فينوس وكيوبيد وهما رمزان للحب والرغبة. فينوس هي رمز الحب والجمال، التي تمثل الرغبة المثالية والجاذبية المطلقة، بينما كيوبيد ابنها رمز الحب الصغير المجنح، يحمل قوسه وسهامه التي تصيب القلب بالعشق أو النفور، دون إرادة المتلقي. في الأسطورة، الحب قوة غير عقلانية، أعمى أحيانًا، وقد يُحرّك الرغبات بلا تفسير، ما يجعل هذه الشخصيات أدوات رمزية لفهم الصراع الداخلي للإنسان بين الرغبة والعقل، وبين الاختيار والإكراه. وهنا توظف الكاتبة هذه الأسطورة لا بوصفها حكاية مباشرة، بل كبنية نفسية تعمل في الظل، حيث يتقاطع اللاوعي مع الرغبة، ويتحوّل الحب إلى مساحة صراع داخلي لا يُحسم بسهولة. حضور كيوبيد وفينوس في حياة البطل يتم عبر الفعل الصامت، مما يمنحها وظيفة رمزية تتجاوز التمثيل إلى الكشف. البطل الشخصية المحورية، لا يواجه أزمة الزواج بقدر ما يواجه أزمة اختيار. تردده لا ينبع من غياب الرغبة، ولكن من تشوّش مصدرها: هل هي رغبته هو، أم صدى لرغبات فُرضت عليه منذ الطفولة؟ هنا تظهر العلاقة بالأم بوصفها مفتاحًا نفسيًا لفهم اضطرابه، حيث تمارس سلطة وصائية ناعمة تُقصي إرادته دون قمع مباشر، فينشأ رجل يعيش حياة مُدارة، ويؤجل قراراته المصيرية بلا وعي. في هذا السياق، تتحول المرأة في النص إلى مرآة للصراع الداخلي لا إلى سبب له، ويغدو الحب اختبارًا للهشاشة لا وعدًا بالاستقرار. تعمل الأسطورة هنا بوظيفتها الكاشفة: كيوبيد لا يمنح العشق، بل يفضح ضبابيته، وفينوس تمثل نموذج الحب المثالي المفروض اجتماعيًا، لا ذاك الناتج عن اختيار حر. تتوج المعالجة الدرامية للصراع بين فينوس وكيوبيد بحسمٍ دلالي واضح؛ إذ لا يطلق كيوبيد سهامه في النهاية، ويتحقق الحب بين الأبطال دون تدخّل خارجي. هذا الاختيار لا يأتي بوصفه تفصيلًا سرديًا عابرًا، ولكن تعبير عن موقفًا فكريًا من طبيعة الحب ذاته. فالنص ينتصر لفكرة الحب بوصفه إحساسًا داخليًا حرًا، لا نتيجة قدر مفروض. وبذلك يتحول الامتناع عن إطلاق السهم إلى علامة رمزية: إن الحب لا يُفرض من قوة عليا، ولا يُختزل في فعل خارجي، لكنه يتشكّل حين تنضج شروطه الإنسانية. هنا تتراجع الحتمية الأسطورية لصالح الإرادة والوعي، ويُعاد تعريف الحب لا كفرض، إنما كاختيار يتكوّن من داخل الفرد. من منظور جندري، تطرح الرمية الأخيرة مقاربة لافتة، إذ تكشف أن السلطة والإقصاء لا يقتصرون على المرأة وحدها، إنما قد يطالان الرجل أيضًا حين تُصادر إرادته باسم الرعاية أو التوقعات الاجتماعية. البطل رجلًا، يُهمَّش نفسيًا، ويُطالب بدور لا يملك أدواته الداخلية، ما ينتج ذاتًا مأزومة تبدو فاعلة خارجيًا ومشلولة داخليًا. بهذا المعنى، لا تنحاز المسرحية ضد جنس بعينه، بل تقف ضد الوصاية بوصفها بنية تُعطّل الاختيار. وتغدو “الرمية الأخيرة” ليست فعلًا حاسمًا بقدر ما هي محاولة أخيرة لاستعادة الذات، في مواجهة ماضٍ لم يُفكَّك بعد، وحبّ لا يمكن أن يتحقق دون وعي بمن يختار، ولماذا هذا الإختبار. * ماجستير في الأدب المسرحي.