يُنسب إلى جوزيف جوبلز، مهندس ماكينة الدعاية النازية في عهد أدولف هتلر، قوله: «اكذب، اكذب، ثم اكذب حتى يصدقك الناس». غير أن بعض الأنظمة لم تكتفِ بتكرار الكذبة، بل ذهبت أبعد من ذلك حين صنعت من الدعاية واقعًا موازيًا تعيشه الشعوب، قبل أن تكشف الأحداث على الأرض ما كان مخفيًا خلف ضجيج الخطاب. ليست الانتصارات الوهمية مجرد مبالغة إعلامية عابرة، بل صورة من صور تزييف الواقع. فحين يتحول الإعلام إلى منصة لإعلان انتصارات لا وجود لها، قد تنجح الرواية لبعض الوقت، لكنها سرعان ما تتراجع عندما يتكلم الواقع بصوته الواضح.. في ستينيات القرن الماضي تصدّر المشهد الإعلامي اسم أحمد سعيد. فخلال حرب 1967 لم يكن هناك صوت يعلو فوق صوت إذاعة «صوت العرب». كان أحمد سعيد بصوته الجهوري يعلن عن إسقاط عشرات الطائرات الإسرائيلية ويتحدث عن تقدمٍ ساحقٍ للجيش المصري. كانت الإذاعة تبشر بانتصارٍ تلو آخر، بينما كانت الحقيقة على الأرض مختلفة تمامًا؛ إذ كانت الطائرات المصرية تُقصف في مواقعها قبل أن تقلع، وكانت الجبهات تتراجع بسرعة تكشف التباين بين الخطاب والواقع. وتكرر المشهد بعد عقود في العراق. فمع بداية حرب الخليج الثالثة عام 2003 برز اسم محمد سعيد الصحاف، وزير الإعلام العراقي آنذاك. تحولت مؤتمراته الصحفية إلى حدث يومي يتابعه العالم؛ كلمات حماسية ووعيد متكرر للـ«علوج» وحديث دائم عن خسائر فادحة يتكبدها الغزاة. غير أن مجريات الأحداث سرعان ما كشفت خلاف ذلك، حين سقطت بغداد، ومع سقوطها انتهت تلك الرواية الإعلامية. هذه الأمثلة لا تنتمي إلى الماضي بقدر ما تكشف قاعدة تتكرر في زمن الحروب: قد تتغير الوسيلة، لكن محاولة صناعة رواية مغايرة للواقع تبقى حاضرة. غير أن الفارق اليوم أن تلك الروايات لم تعد حكرًا على إذاعة رسمية أو مؤتمر صحفي، بل يمكن أن تُصنع في مقطع قصير ينتشر في دقائق عبر الهواتف ووسائل التواصل. ومع تطور التقنية وصعود قدرات الذكاء الاصطناعي أصبحت فبركة المقاطع أكثر سهولة وإقناعًا. فبإمكان مقطع لحريق في برج، أو انفجار في منشأة نفطية، أو قصف موقع عسكري أن تنتشر خلال دقائق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويتناقلها كثيرون بوصفها حقيقة مؤكدة، بينما قد لا يكون لها أي صلة بالواقع. ولهذا ربما نحتاج اليوم إلى إعادة صياغة المثل الإنجليزي ( لاتصدق كل ماتسمع ولا نصف ماترى) ليكون(لاتصدق كل مايصلك في مواقع التواصل الاجتماعي. فالمشكلة لم تعد فيمن يعد المقاطع فحسب، بل في سرعة تداولها بين الناس. فكل إعادة نشر غير متثبتة تمنح الكذبة عمرًا أطول، وتحوّل صاحبها – من حيث لا يشعر – إلى مساهم في المكينة الإعلامية الكاذبة.