طرائف الأدباء في رمضان.

الفانوسُ والمسحراتي… كلاهما عنوانُ ذاكرةٍ لا تغيب، يجتمعان كما يجتمع الحنينُ والعبادة، والطفولةُ والتجربة، في شهرٍ له طقوسه الخاصة عند الأدباء. عند نجيب محفوظ تبدو القاهرةُ في رمضان كأنها كائنٌ حيٌّ يتزيّن لقدوم ضيفه العزيز؛ يقول: «إنهم يلوّحون بالفوانيس الصغيرة يسألون المارّة وأصحاب البيوت والدكاكين وهم يرددون أغنية: رحت يا شعبان.. جيت يا رمضان.» ويؤكد في موضع آخر أن: «رمضان لا يأتي على غِرّة أبداً، وتسبقه عادةُ أُبَّهةٍ تليق بمكانته المقدسة؛ إنه شهرٌ له حقوقٌ وعليه واجبات.» وفي طفولة الأدباء اعترافاتٌ لا تُنسى. هذا يوسف إدريس يحكي عن صبيٍّ أراد أن يكبر فجأة بالصيام، لكنه فوجئ بوطأة العطش، فأفطر سرًّا ينتظر العقاب الإلهي أيامًا، حتى ضبطته أمُّه متلبسًا بالشرب نهار رمضان. ويقول: «لا خوفًا من رمضان وبطحاته، ولكن خوفًا من أهله الذين لا يفيد معهم رفع ذراع أو إجراء تجارب؛ فهم يعرفون كل شيء إن آجلًا أو عاجلًا، وهم الذين يتولّون بأنفسهم العقاب، ويضربون العلق ويبطحون ولا يرحمون.» أما الأديب الساخر أحمد بهجت ففي مذكرات صائم يتساءل بحزنٍ شفيف: «لماذا يختلف رمضان هذه الأيام عن شهور رمضان القديمة؟ كنت أجد حلاوة لرمضان في سن العشرين، ولا أجد له الآن المذاق القديم نفسه أو الوهج.. هل تغيّر شهر رمضان؟ لم يتغير رمضان، أنا الذي تغيّرت.. ازددت ظلمة وسوءًا وخطايا ونفاقًا.» وقريبٌ من هذا المعنى ما قاله غازي القصيبي: «غريبٌ أن تودّع ضيفًا قبل وصوله. إلا أن هذا الضيف الغالي “رمضان” رحل عنا منذ زمن أحسبه يعود إلى فترة الطفرة الأولى، وحلّ محلّه رمضان آخر بملامح نعرف أقلّها وننكر معظمها.» ورمضانُ القرية يختلف عن رمضان المدينة. في القرية يكثر الاجتماع على القرآن، وخاصة في بيت العمدة أو الوجيه. يصوّر طه حسين المشهد بقوله: «ولكن رمضان أقبل، وكان الناس يجتمعون في ليالي رمضان عند رجل من أهل المدينة وجيه يعمل في التجارة. وكان سيدنا يقرأ القرآن عند هذا الرجل طوال الشهر. وكان الصبي يرافق سيدنا ويريحه من حين إلى حين بقراءة سورة أو جزء مكانه… فإذا دنا الغروب وخفقت القلوب وأصغت الأذن لاستماع الآذان، وطاشت نكهة الطعام بالعقول والأحلام… ومع تعدد أصناف الطعام على مائدة الفطور في رمضان فإن الفول المدمس هو الصنف الأهم والأكثر ابتعاثًا للشهية.» وإذا ذُكر عميد الأدب، وجب التعريج على أمير النثر عباس محمود العقاد؛ فله في الصيام فلسفةٌ ترى رمضان مدرسةً للإرادة، ويقظةً للضمير، وتحملًا للمسؤولية الاجتماعية، وميزانًا للتساوي بين الناس. وللشعراء مواقف متباينة: فـأبو العتاهية يرى في رمضان روحانيةً وتعظيمًا وقدسية، بينما يضجر أبو نواس وابن الرومي من حرّه وطول نهاره. أما ابن العميد والجاحظ فلهم تأملاتهم الخاصة في المعاني المتصلة بباب الريان وما وراءه من فلسفة الصوم. والمسحراتي الظريف يصدح في الأزقة: يا ربّ قدّرنا على الصوم واحفظ إيماننا بين القوم وارزقنا يا رب باللحم المفروم لأحسن يا رب ماليش أسنان! ورمضانُ القاهرة ليس ككل الرمضانات؛ فالفوانيس، ونداءات الأطفال، وعبارة «رحت يا شعبان… جيت يا رمضان» تصنع مشهدًا خاصًّا. والأمّ في رمضان تنوء بالحمل كاملاً، كما ألمح نجيب محفوظ، فهي عمود البيت، وسرّ دفئه، وحارسة إيقاعه اليومي. وكانت جدةُ الدكتورة نعمات تردّد عليها كل يوم في رمضان: «عشرة مرق، وعشرة حلق، وعشرة خلق.» شهر الصيام له نكهته وطعمه المختلفان عن سائر الشهور؛ فيه تمتزج الطفولة بالاعتراف، والسخرية بالخشوع، والذاكرة بالنقد، والحنين بالمراجعة. لذلك كان رمضان عند الأدباء أكثر من زمنٍ يُصام؛ إنه زمنٌ يُكتَب، ويُستعاد، ويُساءل… والحديث عنه ذو شجون.