السوري “تيم حسن” يقفز على الحواجز و يراقص التابوه في مسلسل (مولانا) من طاغية محتمل وإقطاعي مفترض إلى رجل نوراني وله بركاته.. يدخل “تيم” هذا الموسم بعمل درامي يحمل الكثير من الإسقاطات السياسية مما يجعل للعمل بعداً آخر، يلامس السوريين بشكل خاص والمتابع العربي بشكل عام ، حيث قام بتوظيف الوضع السياسي والقمعي الذي عانى منه السوريون، و حالة الإنسان البسيط الذي يريد أن يتعلق بأي خيط يمنحه الأمل للخروج من كابوسه، ومن السهل أن ينقاد الناس عندها ويصنعوا من الشخصيات العادية أأمة وموالي بل وطغاة، ليطرح المسلسل سؤالاً وجوديًا عميقًا ما الذي يصنع الإنسان؟ الحقيقة أم الدور الذي يؤديه؟ المسلسل من بطولة “تيم حسن” وإخراج “سامر البرقاوي” وتأليف “لبنى الحداد” ويشارك في بطولته عدد من الأسماء البارزة مثل “منى واصف” و”نور علي” و”فارس الحلو” و”نانسي خوري” إلى جانب مجموعة من الممثلين الذين أسهموا في بناء عالم العمل الدرامي، يتألف المسلسل من ثلاثين حلقة، ويعرض ضمن السباق الرمضاني لعام 2026، حيث يروي قصة رجل فقير هارب يجد نفسه في قلب لعبة قدرية عندما ينتحل هوية شخص آخر، فتتشكل حوله شبكة من الأسئلة الأخلاقية والإجتماعية المعقدة، تنتهي به السبل إلى قرية حدودية محاطة بمدفعيات من كل جهاتها و تحرسها ثكنة عسكرية لا ترحم.. صادرت الثكنة مزارع الزيتون و جعلتها حقل ألغام، و قامت بمجازر في القرية تركت آثارها على الناس، لينقسموا حسب ولاءاتهم ومخاوفهم، إلى أقسام منهم المتعاون والمناصر للثكنة وآخر يرى فيها العدو. ثم يأتي ( جابر جاد الله) ليتقمص شخصية “سليم العادل” كوريث شرعي لأغلب أراضي القرية، والحفيد المنتظر للولي الصالح، ليتحول من هارب من العدالة إلى ولي و له كرامات، وثائر ضد الثكنة العسكرية، لتبدأ المواجهات ما بين مولانا وأهل القرية المخلصين من جهة و ذيول النظام في الثكنة وأعوانهم من جهة أخرى. في جوهره يتحدث “مولانا” عن الإنسان عندما يضطر إلى اختراع نفسه من جديد، الشخصية التي يؤديها “تيم حسن” _ جابر_ كرجل تدفعه الظروف إلى ارتداء قناع هو لا يختار هويته الجديدة بدافع الحرية، بل بدافع النجاة، ومع ذلك تتحول هذه النجاة تدريجياً إلى مسؤولية أخلاقية ثقيلة، لأن كل دور نلعبه في الحياة يصنع حولنا عالماً من الناس الذين يصدقونه، فالشخصية تعيش طوال الوقت في حالة توتر خفي، وكأنها تمشي فوق حبل مشدود بين حقيقتين الحقيقة التي يعرفها عن نفسه، والحقيقة التي يراها الناس فيه، نجح “تيم” في تجسيد هذا الصراع الداخلي عبر نظرات طويلة وصمت محسوب، وهو أسلوب يجعل المشاهد شريكًا في قراءة الشخصية، لا مجرد متلقٍ للحوار، و من أكثر مشاهد المسلسل قوة ذلك المشهد الذي يواجه فيه الضابط رئيس المخفر جابر بعد أن يكتشف أنه ليس سليم العادل بل مجرد رجل انتحل شخصيتة، هذا المشهد لا يقوم فقط على التوتر الدرامي بل على المواجهة بين السلطة والحقيقة، فالضابط لم يكشف جريمة انتحال، بل انهيار الأسطورة التي بُنيت حول “مولانا” وفي لحظة المواجهة يصبح السؤال الحقيقي هل سيعاقب الرجل لأنه كذب، أم لأن كذبته أعطت الناس أملاً؟ و هنا يبرز الأداء العظيم لتيم حسن؛ حيث يتحول الصمت إلى لغة كاملة، لحظة انكشاف حقيقة كل منهما أمام الآخر.. والمشهد الأكثر من رائع الذي حلق فيه البطلين معاً.. حول فكرة الشر المطلق والخير المطلق .. الاخلاص والخيانة الحقيقة، والوهم، من أجمل وأعمق مشاهد المسلسل وهو لب فكرة العمل. تم تصوير أغلب مشاهد المسلسل في قرية ( دير القمر) الساحرة .. المقدمة الغنائية للمسلسل بصوت “منى واصف” من الفلكلور الشعبي من أجمل مقدمات المسلسلات، و”تيم حسن” يتجلى كعادته في آداء دور جابر الشاب الذي كان يعمل بحفر القبور ثم يتحول إلى إقطاعي ثري بين عشية وضحاها، تيم حسن يثبت عام بعد عام أنه وحش تمثيل، و يستطيع أن يسرق انتباه المشاهد بجمال آداءه وخفة دمه حتى في المشاهد الأكثر وجعاً، ولا يكتفي بآداء الدور بل يمتع المشاهد بتقليد عدد من الشخصيات اثناء المشاهد، أثناء آداء دور سليم العادل هذا العام أمتعنا بتقليد عدد من الشخصيات المعروفة كشخصية أبو حاتم في باب الحارة و تقليده “لياسر العظمة”، ثم تقليد الهارب “بشار الأسد” في مشهد المواجهة مع عقيد الثكنة. كتب المسلسل بشكل رائع ويظهر ذلك في الحوارات والمشاهد الجميلة، بدأ المسلسل بداية ركيكة لكنه انطلق بعدها انطلاقة مجنونة، وحصد جماهيرية غير مسبوقة ..عمل درامي كهذا لا يتنفس إلا في فضاء حُر وكلما زاد سقف الحرية، كنا أقرب لصناعة دراما حقيقية تحاكي الإنسان بكل واقعية ودون تزييف، شاهدت عدد من حلقات الأعمال السورية لكن هذا العمل يتفوق بمراحل على غيره فهو ينكأ الجرح ويكشفه للهواء وهي أشجع مراحل التعافي وأكثرها قسوة، اعتمد المخرج “سامر البرقاوي” على فضاء بصري واقعي يميل إلى القتامة، بما يعكس الحالة النفسية للشخصيات، المكان في “مولانا” ليس مجرد خلفية، بل عنصر سردي يساهم في خلق شعور دائم بالحصار، وكأن الشخصيات تتحرك داخل قدر لا تستطيع الإفلات منه، وهذا ما يمنح المسلسل طابعاً قريباً من الدراما الأخلاقية أكثر من كونه مجرد عمل تشويق، هو عمل درامي يتأمل فكرة الهوية والسلطة والخلاص و بأن الإنسان قد يضطر أحيانًا إلى ارتداء قناع ليعيش، لكن المشكلة ليست في القناع نفسه، بل في اللحظة التي يصبح فيها القناع أكثر حقيقة من الوجه، وفي هذه المساحة الرمادية تحديدًا، ينجح المسلسل في خلق دراما إنسانية عميقة، يقودها أداء متماسك “لتيم حسن”، ويثبت مرة أخرى أن الدراما العربية ما تزال قادرة على طرح أسئلة كبيرة عبر حكايات بسيطة.