بين العاطفة والعقل.
في المواسم الفاضلة، يسبق القلب اليد، وتشتعل الرغبة في البذل كما لو أن الإنسان يريد أن يُمسك بالخير قبل أن يفوته. وفي شهر رمضان على وجه الخصوص، تتكاثر الرسائل، وتتزاحم الروابط، وتتناثر أرقام الحسابات، في مشهد يبدو فيه العطاء أقرب إلى سباق مع الزمن. إلا أن صدق النية لا يُغني عن صواب الوسيلة. فالعمل الخيري في المملكة لم يعد عملاً عشوائياً تحركه اللحظة، بل أصبح منظومة متكاملة تخضع لإشراف وتنظيم دقيقين، يهدفان إلى حماية أموال المتبرعين وضمان وصولها إلى مستحقيها. وقد أكدت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية مرارا ضرورة عدم التبرع لجهات مجهولة أو أفراد غير مرخص لهم بجمع التبرعات، مشددة على أن جمع التبرعات دون تصريح نظامي يُعد مخالفة يعاقب عليها النظام. وفي هذا الإطار، برزت منصات وطنية موثوقة تعمل تحت إشراف الجهات المختصة، من أبرزها منصة إحسان التي أُطلقت لتعزيز موثوقية التبرعات وشفافيتها عبر قنوات رقمية آمنة، وكذلك خدمة فرجت عبر منصة وزارة الداخلية للإسهام في سداد ديون السجناء وفق آلية رسمية واضحة، إضافة إلى منصة جود الإسكان التي تتيح دعم الأسر الأشد حاجة في قطاع الإسكان تحت إشراف مؤسسي منظم.هذه القنوات لا تختصر المسافة بين النية والتنفيذ فحسب، بل تختصر أيضاً مساحة القلق؛ إذ تضمن أن يصل العطاء إلى مستحقه عبر إطار قانوني يحفظ الحقوق ويمنع الاستغلال. ففي المواسم الإيمانية تكثر - للأسف - مظاهر الاستدرار العاطفي، ويظهر من يتوسل الحاجة بغير حق، أو يجمع الأموال دون صفة نظامية. وقد دأبت الجهات الرسمية على التحذير من التبرع النقدي العشوائي أو التحويل إلى حسابات شخصية مجهولة، لما في ذلك من تعريض أموال المتبرعين للهدر، وربما توجيهها لغير الأغراض المعلنة. ليس المقصود من هذا التنبيه إغلاق باب الإحسان، بل صيانته. فالخير إذا لم يُحط بسياج النظام، تسلّل إليه العابثون. العاطفة في رمضان مطلوبة، بل هي روح الشهر، لكن العقل هو الذي يرشدها إلى الطريق الصحيح. وحين يلتقي القلب الحي بالعقل اليقظ، يتحول التبرع من اندفاعة لحظية إلى أثر مستدام. والعمل الخيري مسؤولية، كما هو عبادة. والمسؤولية تقتضي أن نُحسن الاختيار كما نُحسن النية. فليكن عطاؤنا في هذا الشهر المبارك عطاء واعياً، يصل في صمت إلى مستحقه، ويصعد في إخلاصٍ إلى خالق البرية عز وجل، ويظل بعد رمضان شاهداً أن الخير إذا سلك طريقه الصحيح بلغ مكانته المرجوة بإذن الله تعالى.