الهوية الوطنية والتاريخ: علاقة متبادلة
ليس من المبالغة القول إن التاريخ هو العمود الفقري لأي هوية وطنية. فالهويات لا تُبنى على اللحظة وحدها، ولا تُختزل في الحدود الجغرافية أو الشعارات، بل تتكوّن من تراكم التجارب، والقصص المشتركة، والانتصارات، والتحديات، وما يحفظه الوجدان الجماعي من صور ومواقف ومراحل. ومن دون هذا التاريخ، يصبح الشعور بالانتماء هشًّا، والصلة بالمكان والناس باهتة، والتطلعات للمستقبل بلا جذور. في كل مرحلة تاريخية يمر بها الوطن، يُضاف شيء إلى الشخصية الوطنية. في كل تحول، تتغير نغمة الخطاب وتتوسع دوائر الفهم وتزداد التجربة عمقًا. لكن هذا لا يحدث تلقائيًا. لا يكفي أن نعرف الأحداث أو نحفظ الأسماء، بل يجب أن نُعيد النظر فيها، أن نُفسرها في ضوء ما نعيشه اليوم، وأن نقرأها ليس كمجرد “ماضٍ”، بل كقوة فاعلة في تشكيل وعينا وسلوكنا وتفكيرنا. ولعل واحدة من أخطر الثغرات التي قد تواجه أي مجتمع هي القطيعة بين تاريخه وحاضره. حين يصبح التاريخ مجرد مادة مدرسية أو مشهد احتفالي يُكرر كل عام، بينما في الواقع لا ينعكس على طريقة تعاملنا مع بعض، ولا على فهمنا لما يجري حولنا، ولا على وعينا بما نملكه من مقومات. الهوية السعودية اليوم، في ظل رؤية المملكة 2030، تعيش لحظة تجديد شاملة. لكنها لا تُبنى من الصفر، بل تستند على إرثٍ طويل من التراكمات التاريخية. وهذا ما نراه في المشاريع التي تعيد إحياء المدن القديمة مثل الدرعية والعلا، وفي الخطاب الذي يستحضر الشخصيات المؤسسة لا لمجرد التقدير، بل كجزء من رسم الطريق نحو المستقبل. نحن لا نحافظ على التاريخ لمجرد الحنين، بل لأن فيه مكونات الهوية، وملامح الشخصية الوطنية، ومصدر الاعتزاز، والمحفز على المواصلة. كما أن روح العصر لا تعني نسيان التاريخ، بل تقديمه بلغة جديدة، وربطه بالواقع، وبثّه في المناهج، والفن، والإعلام، حتى يكون جزءًا من الوعي اليومي، لا مجرد مشهد مؤرشف. أخيراً الهوية الوطنية لا تُفرض، بل تُبنى. والتاريخ هو أحد أهم أدوات بنائها. وكلما كان وعينا بتاريخنا أعمق، كان شعورنا بالانتماء أقوى، وكانت قدرتنا على التقدم أكثر ثباتًا. ففي كل قصة من ماضينا، ما يشرح حاضرنا ويضيء طريق مستقبلنا. X | @BinOthman90 منصة