(فائت الأمثال: مقاربة أدبية ساخرة) كتاب طريف من بواكير إصدارات الدكتور الشاعر فواز اللعبون. ومنه عرفت أن الظرف الذي يتسم به الدكتور فواز ليس صفة حادثة، ولا منهجا طارئا. صدر الكتاب عن نادي الأحساء الأدبي عام 1420/2009 في أربعين ومائة صفحة من القطع المتوسط. العنوان خادع، لأن من يكتفي به يظن أنه يتحدث عن الأمثلة التي فاتت على جامعي الأمثال ومدونيها، لكنها ليست كذلك، فهي أمثلة ألفها الدكتور فواز مستقاة من ملحوظاته اليومية وتأملاته في المجتمع بمختلف طبقاته، من موظفين ومدرسين وتجار ومفلسين وخص المرأة بعدد من الأمثال تؤكد رسوخ قدمه في مشاغباته معهن. يتألف الكتاب من ثلاثين مثلا مرتبة ترتيبا ألفبائيا، يوردها وفق منهج منظم. يبدأ بإيراد المثل ثم فيمن يقال، ثم يورد قصة توضح سبب إطلاقه. ويختم القصة بأبيات تحكي هذه المناسبة. والقسم النثري من النص سجع، وهو بهذا يشبه كتب المقامات، وقد ألمح المؤلف في مقدمة الكتاب إلى تأثره بالحريري في مقاماته. وقد اتخذ من الأسلوب الساخر وسيلة لاصطياد القارئ لتمرير أهدافه التوجيهية. يقول: “ولي في هذا المجموع المحدود مقاربة مختلفة تقتفي الشكل السالف، وتحاذي مضمونه التوجيهي، بلغة أكثر وضوحا، وصياغات إخالها سلسة، وتضيف إليه مسحة فكاهة وسخرية، ولا أنكر أن هذه المسحة هي الركيزة التي علقت عليها سائر الأهداف، وجَعَلْت منها الطعم الذي يغري المتلقي باقتفائه”. ولما كان الهدف من الكتاب وما حوى من أمثال هو بيان ما في بعض المجتمعات من عيوب بغرض الدعوة إلى تلافيها فقد حملت بعض القسوة. ولذا لم تتجاوز الأمثلة ما يتصل بالمجتمع وممارساته اليومية، فتناولت الموظفين وما يتصفون به من بطء إنجاز المعاملات مع شكوى من قلة الراتب، وركض وراء الواسطة، وهرولة خلف الشهادات العليا الوهمية بهدف تغيير الوضع المالي والاجتماعي. ومن هذه الأمثال قوله: “أبشع من وصولي”، و”أبطأ من قاض”، و”أشفع من واو”، و”أضيع من راتب”، و”أرخص من دال”. كما تناولت ما اتصف به كثير من أفراد المجتمع من سوء تعامل أو تعال، أو جشع مادي بين فئة التجار والمؤسسات المالية، على نحو قوله: “جنى عليه الجوار”، ولا مهان كدائن” و”أبلاه مستوصف خصوصي” و”أحيل من مصرف”. ومنها ما يتعلق بالشباب وخروجهم على القيم والأخلاق سواء أكتسبوها من ابتعاث للخارج أم تقليد لما يرون في وسائل الإعلام، مثل قوله: “ولا انسلاخ مبتعث”، و”أغنج من مسخ”. وللمرأة نصيب كبير في النقد بواسطة المثل، ولا سيما المعلمات والكاتبات. فمن أمثال مؤلفنا: “ولا أجحد من أنثى”، و”أفرغ من ذات عمود”. (يقصد العمود الصحفي)، و”مشاكاة المعلمة المعلم”. كما تناولت الأمثلة الأدب والمتأدبين، فمن ذلك قوله: “أشكل من حداثي”، و”أفقر من أديب”، و”زيف كزيف المسابقات”. ولم ينسَ فئات معينة من المجتمع كالصحفي ولاعب الكرة، فقال: “دعاوى صحفي”، و”إن الغنى في الكرة”. وبعد هذا العرض الموجز لما احتوى الكتاب من أمثال أعرض أنموذجا أنقله كاملا بنصه، حتى يتبين منهجه الذي أشرت إليه آنفا. (14) أَفْقَرُ مِنْ أَدِيب وهوَ مَثَلٌ يُقَالُ فِيمَنْ أَرْبَى بهِ الفَقْرُ عَنْ حَدّه، فباعَ بالبخس ثوب أبيه وجَدُه، والأَديبُ رَجُلٌ مُنْشَغِل بما يَنْفَعُ النَّاس، ولا يَحْظى بِغَيْرِ الهَوَانِ والإفلاس. وأَصْلُ المَثَلِ أَنَّ رَجُلًا انْصَرَفَ إِلى الأَدَبِ، وَجَدَّ فِي تَحْصِيلِ فنونِهِ وطَلَب، فَلَمَّا فَاقَ وبَرَع، وابْتَكَرَ وَاخْتَرَع، رَأَى أَقرَانَهُ يَتَبَوَّوْونَ المَنَاصِب، وهوَ وَحْدَهُ في الهَمْ نَاصِب، هُوَ يَجْمَعُ النُّخَبِ، وَهُمْ يَجْمَعُوْنَ الذَّهَبِ، وَيَنْظِمُ القَصَائد، ويُنَظُمُوْنَ المَوَائد، ويُبْدِعُ الرِّوَايَاتِ، وَيَبْتَدِعُوْنَ الهوايات، وَيَنْقُدُ الأَعْمَالِ، وَيَنْتَقِدُوْنَ المال. فَلَمَّا رَأَى ضَيْعَةَ حَالِه، وفَقْرَه وسُوْءَ مَالِهِ، مَزَّقَ كُتُبَهُ وأَوْرَاقَه، وأَقْسَمَ أَنْ يُوَدِّعَ الفَاقَة، فَاقْتَرَضَ مِنْ ذَوِيْهِ دُرَيْهِمَاتٍ، وَوَضَعَها فِي المُسَاهَمَات، فما إن فَتَحَ طَرْفَهُ وأَغْمَض، إلا وقد أكل كالثور الأبيض، وما كَرَّ عَلَيْهِ يَوْمَان، إلا وهوَ أَفْقَرُ مِمَّا كَان، فأَدْرَكَ أَنَّهُ مَنْحُوْس لا تَنْفَعُهُ الدروس، فَعَادَ إِلى حِرْفَتِهِ، وَأَنْشَدَ مِنْ حُرْقَتِهِ: لَقَدْ جَرَّبْتُ هَذَا العَيْشَ دَهْراً فَلَمْ أَرَ قَطُّ أَفْقَرَ مِنْ أَدِيبِ نَشَأْتُ عَلَى التَّأَدُّبِ مِنْ قَدِيمِ وََها قَدْ لَاحَ لِلرَّائِـي مَشِيبي سِنُونَ مَضَتْ أَصُوْعُ بِهَا اللالِي وَأَنْشُرُ مِنْ فُنُونِي كُلَّ طِيبِ أُسَامِرُ لَيْلَتِي بِصَدَى القَوَافي وأَصْحُو مِثْلَ مُبْتَسٍ كَتَيْــبِ أَجُوْعُ فَاكُلُ النُّخَبَ السَّوامِي وإِنْ أَظْمَأْ فَمِحْبَرَتِي قَلِيـبي وَيَبْلَى الثَّوْبُ ذُو التَّسْعِينَ فَتْقاً فَيَبْدُو مِنْ نَوَافِــذِهِ مَعِيـبي وَلِي كُوخٌ تَفِرُّ الجِـــنُّ مِنْــــهُ وَلَا يَدْنُـــو إِلَيْــــهِ أَيُّ ذِيبِ وَغَيْرِي هَانِي فِي خَفْضٍ عَيْشِ يُطِلُّ عَلَيَّ مِـنْ قَصْـــرٍ مَهِيبٍ وَيَرْمُقْنِي بِنَظْرَتِهِ احْتِقَاراً وَإِنْ سَلَّمْتُ لَمْ أَرَهُ مُجِيبي وَمَا فِـــي رَأسِــــهِ إلا هَبَاءُ وَلَكِنْ لَا اعْتِرَاضَ عَلَى النَّصِيبِ فَيَا دُنْيَا رَجَوْتُكِ عَذَّبِيْنِي وَيَا آلَامُ وَيُحَكِ لَا تَغِيبي