اتفق كثير من المهتمين بالدراسات المعمَّقة بالقصة القصيرة جدًا على أنها فنٌّ سردي إبداعي يقوم على الإيجاز المشحون بالدلالة والعمق، ويتناغم مع روح العصر الذي يشهد تناميًا ثقافيًا وحضاريًا واقتصاديًا ومعرفيًا متسارعًا. فكانت القصة القصيرة جدًا الخيار الأمثل لاستجابة المتطلبات الفكرية والجمالية التي تفرضها التحولات الراهنة على المشهد الثقافي. ومما يلفت الانتباه التشابه الكبير في تعريف القصة القصيرة جدًا بين نقاد عرب وعالميين، وهو ما يمنح هذا الجنس السردي دلالة كونية ويؤكد ما اكتسبه من جمالية بلاغية خاصة؛ فهي صغيرة كزجاجة عطر مُقطَّر، عميقة كبئر لا يُرى قاعها، ومُشِعّة كمصباح، لباسها الإضمار والإيحاء، وأدواتها الترميز والانزياح والمفارقة والسخرية. وهي لاذعة كجمرة، ومشحونة بطاقة كهربائية مفاجئة، جارحة كوخز رمح لا يُخطئ أثره. ويُعدّ التكثيف أحد أهم عناصر جمالياتها؛ فالكلمة تساوي جملة، والجملة تعادل صفحات. كل كلمة تُوضَع وفق مقاييس جمالية دقيقة، وإزالتها من النص تؤدي إلى اختلال بنائه. معمارها محكم، فراغاتها ذات معنى، والمساحات البيضاء فيها تقول ما تعجز عنه الكلمات. وتعتمد على الجمل الفعلية المكثفة، ولا تقبل الشرح أو التوسّع، إذ تحمل كل كلمة أكثر من معنى، ليغدو القارئ شريكًا فاعلًا في إنتاج الدلالة وتأويل النص. ونصل إلى دلالة مهمة مفادها أن لغتها مقتصدة، وتأثيرها فاعل ومؤثر ، ورسالتها تصل إلى المتلقي بفاعلية عالية،مستفزة، مراوغة، وقادرة على زعزعة المسلَّمات وإثارة الأسئلة.. ولي حديث قادم عن سماتها وخصائصها الجمالية. نموذج للقصة قصيرة جدًا للكاتب الراحل الأستاذ جبير المليحان “يرحمه الله” “جلس على كرسي الوزارة.. نسي أصدقاءه.. وحين خلع الكرسي.. لم يجد أصدقاءه”. وقصة أخرى للأستاذ حسن البطران ( يد ثعلب ) أضاءت الثريا .. تكاثرت الدبابير حولها . حُفرت البئر ، تأخر تدفق الماء منها .. جفت الشجرة البعيدة ، ولم يصافح القط يد الثعلب ..! وقصة ثالثة للأستاذ عبدالعزيز الصقعبي صباح ليصطاد زبائن لمقهاه، نصب شباكه.. كانت من نسيج قوي حاكه من خيوط الشمس الذهبية ورائحة القهوة وصوت فيروز.