السينما بين وهج الحضور الجماعي ووجع الغياب الانفرادي.

تظل السينما هي المرآة التي تعكس شتات أرواحنا، سواء كانت تلك المرآة معلقة في قاعات العرض المكتظة أو في زوايا غرفنا المعتمة. ومع تحول وسائط الفن، برز انقسام وجداني لافت؛ فإما ذوبان في “وهج الحضور الجماعي” الذي يمنحنا شعوراً بالأمان والاتحاد، أو استسلام لـ “وجع الغياب الانفرادي” الذي يضعنا وجهاً لوجه أمام ذواتنا في تجربة موغلة في الخصوصية. وهج الحضور الجماعي: طقس الذوبان في الوجدان الإنساني تتجلى عظمة المعايشة الجماعية في قدرتها على صهر الأرواح في لحظة زمنية واحدة. في قاعة العرض، يتحول الفيلم من مجرد صورة إلى “وهج” يشع في عيون الحاضرين، حيث تذوب الفوارق بين الناس ليصبح الجميع كياناً واحداً ينبض بالانبهار. إن القيمة الأسمى هنا هي التحرر من أعباء الذات؛ فالمتلقي يجد في ضحكات الغرباء وبكائهم شرعية لمشاعره الخاصة. هي تجربة تمنح الفن كماله، حيث ينفصل الإنسان عن رتابة حياته ليعيش “بطولة مشتركة” تحتفي بالدهشة وتكرس قيمة اللقاء البشري في أبهى تجلياته. وجع الغياب الانفرادي: سكينة المكاشفة في محراب الذات في المقابل، يبرز الاستغراق المنفرد كخيار يقدس “وجع الغياب” عن صخب الآخرين بوصفه حالة من الصدق المطلق. هنا، لا يوجد ضجيج يغطي على أنين النفس أو تساؤلاتها؛ فالمرء يبحر في تفاصيل العمل بتؤدة، ويستنطق الجمال في سكون مكانه الخاص الذي يتحول إلى محراب للتأمل. قد تبدو هذه العزلة مؤلمة في ظاهرها، لكنها في جوهرها تمنح الفرد سيادة على وجدانه، وتسمح له بالتماهي مع الحكاية بعيداً عن الرقابة، والتحليق في فضاءات الخيال وفق إيقاع جراحه وتطلعاته الشخصية، محولاً الفيلم إلى حوار سري وخالد بين المبدع والمتلقي. صمود الضوء أمام عتمة العزلة إن بقاء السينما ليس مجرد استمرار لدار عرض، بل هو صمود لآخر معاقل الدهشة الجماعية في وجه التفتت الرقمي. ستظل القاعات المظلمة مشرعة الأبواب؛ لأنها المكان الوحيد الذي يجبرنا على التخلي عن نرجسيتنا لنذوب في حلم مشترك. إن “وجع الغياب الانفرادي” قد يمنحنا الراحة، لكن “وهج الحضور الجماعي” هو الذي يمنحنا المعنى. السينما لن تندثر طالما بقي في هذا العالم إنسان واحد يرفض أن يحلم وحده، ويبحث في عتمة الصالة عن ضوء يربطه بأخيه الإنسان.