أحدُ مظاليمِ الأدبِ؛ عاش بعيدًا عن الصحافة، والمنابر، وَزَهِدَ في الأضواء، فَحُرِمَ متذوقو الأدب من تلقي شعره في أوانه. ولد الشاعر عبدالله الزمزمي في ألمع، جنوب السعودية، عام1965م، وظهر نبوغه في الأدب وعلوم العربية، فالتحقَ بقسم اللغة العربية، في جامعة الإمام محمد بن سعود، فرع أبها. وفي عام1987م عُين معلمًا في تعليم ألمع، ونَبَضَ قلبه بالشعر العذب فلم يحفل بأن يقدِّمه عبر منبر أو صحفة أو مجلة، فَحَسْبُهُ أن ينفثَ عبر القصيدة مواجعَ قلبِه، دون أن يرفِدَ موهبتَه بقراءاتٍ متعمقةٍ في الأدبِ والنقد؛ وإنما يكتبُ تحتَ تأثير اللحظة الشعرية، حتى إذا سَطَّر القصيدة، بخطه الجميل، لم يسعَ إلى نشرها، وربما أهدى نسختها الوحيدة لأحدِ جلسائه، أو نسي الورقة حيث كتبها؛ ولولا أنه رُزِقَ أصدقاء أوفياء يحفظون ما يُهمل من مسودات قصائده، لفقدنا أكثرَ شعرِه؛ فالشعرُ عنده دمعٌ ليس من شأنه ادخارُه، ولا عرضُه على القراء؛ فما نَشَرَ الزمزمي قصيدةً إلا بطلبٍ من مجلة أو صحيفةٍ أو صديق: جرّبتُ كُلَّ الموجِعَاتِ فلمْ أجدْ أقسى من الدَّمْعِ الأبـيِّ إذا هَمَى حاولتُ أحْبِسُهُ. فأحرقَ أضلُعي وجرى على ثغرِ القَصِيدةِ علقما والزمزمي شاعرُ معاناة؛ أرهقه ضعفُ قلبه، واضطرابُ نبضِه، وفَرْطُ حساسيته، التي ألبسته ثياب الغربة؛ وأنبتت الشكوى على حواف قصائده، وهو يواجه واقعًا لا يتواءم مع أحلامه: لولا المعاناةُ لم تسمعْ على شَفَتي هذا القصيدَ الذي أجريتُه نغمًا! لكنني حين أشدو يمتطي قلمي حنينُ قلبي فيجري الدمعُ مُنسجمًا! حسبُ القصيدةِ مِنِّي صدقُ عاطفتي فلو جرتْ فوقَ أعتى الصخرِ لانحطما وشعرُ الزمزمي خالٍ من التكلُّفِ والصنعة، نابعٌ من موهبة أصيلة، وإحساس مرهف، وشعور صادق؛ التزم القصيدة العمودية للتعبير عن ذاته، في حقبةٍ تَقَلَّبَ شعراؤها بين أشكال الشعر المختلفة؛ رغبةً في التجديد، والتجريب، أو انحيازًا لأسماء انتمت لمدارس شعرية حديثة، أو لمسايرة الجو الشعري العام في الصحف والمجلات، أو لعجزٍ عن كتابة القصيدة العمودية بشروطها الفنية. وكان الزمزمي يفرُّ من الأضواء، ومع ذلك مُنحَ جائزة أبها للشعر، عام1992م، وترجم له معجم البابطين للشعراء العرب، الصادر في الكويت، عام1995م، وقاموس الأدب والأدباء السعوديين، الصادر عام2013م، ولكنه لم يحظَ بما يستحق من الحضور والتلقي. عاشَ الزمزمي صراعًا بين الواقعِ والحلم، بين الحبِ والمرضِ، وهو الشاعر المرهف الحس، المشبوب العاطفة، فأصبح الألـمُ عنوانًا لقصائده: لستُ أشْكُو يا صديقي أبدًا إنما الآلامُ مِنْ سِرِّ وجودي أنا لولا الحُزْنُ لم أكتبْ ولم تَنْهَل الآذانُ مِنْ عَذْبِ قَصِيدي إنه الحزنُ الذي أنطقه، فلولاه لاستعجم عليه الحرفُ، واستعصت الكلمةُ، ولم تولد القصيدةُ: تأمَّل بواعثَ شعري تجدْ حنينًا. أنينًا. صدىً موهِنَا وعندما يعيش الشاعر غربة وجوديةً تستوي عنده الإقامة والرحيل: قالوا: تسافرُ عنَّا؟ ليتهم علِمُوا أن الـمُقامَ بلا صحبٍ هو السفرُ! وما أقسى الشعور بعدم الجدوى؛ الذي صبغَ حياة الشاعر بالاغتراب: أأزْرَعُ الوردَ والأحزانُ تُذْبِلُهُ وأقْطِفُ الزَّهْرَ والحِرْمَانُ يَعْتَصِرُ؟ والزمزمي شاعر تجري الكبرياء في دمه، لم يكن ذلك ادعاءً شعريًّا بل واقعًا عرفناه عن قرب، وقد كان يتعالى على آلامه: إن قلبي إذا اتكأتِ عليِهِ سافرتْ في دمائهِ كبريائي والوفاء من خصال الزمزمي البارزة، فها هو ينسجُ من خيوطِ حادثةٍ عبرة قصيدةً باهرة؛ حين زار بعض أصدقائه فوجدهم قد تحوَّلوا عن بيتهم المعهود إلى منزلٍ آخر، ووجدَ إلى جوار البيت القديم وردةً بيضاء، فشاركها عتابه وألمه: حَمَلْتُ في راحَتيَّ الشَّوقَ والعَتَبا وجئتُ أبحثُ عن قلبي الذي سُلِبا! أتيتُ أسألُ عن أهلٍ لنا هجروا وما عرفتُ لمعنى هجرِهم سَبَبا! أُسائلُ الوردةَ البيضاءَ مُذْ رَحَلُوا أيغرسُ الوردَ مَنْ لا يُوثِقُ الطُنُبا؟ غدًا. أعودُ وخيلِي لا صهيلَ لَها ما أحزنَ الخيلَ. إن غادٍ بها غُلِبا! ولننظر إلى الأنفة والاعتزاز بعروبته وبداوته، حين يخاطب من ينظر بعين غير بريئة لهذا الانتماء: بدوي ٌ. قالوا. فقلتُ: جديرٌ برؤى البدوِ أنْ تكونَ عَيَانا بدويٌ؟ أجلْ. ومَنْ غيرُ قَوْمِي ذَوَّبُوا الحَرْفَ رِقَّةً وبيانا بدويُّ لشدوهِ فَزَّتْ الصحرا ءُ روضًا وصخرُها إنسانا ويظهر في شعر الزمزمي صدق الشعور، ورقة النجوى، وبراعة التصوير، ودقة الرصف والجرس في غير تَكَلُّفٍ، والعزف على قيثارة ساحرة، يصحبها غنائية ذاتية شادية شاجية؛ ومَن يقارنْ بين ديواني الزمزمي (مواجع قلب،1995م)، و(هذا أنا،2000م) الصادرين عن نادي أبها الأدبي، يلمس التطور الفني الكبير، وتحول الموضوعات من الذاتية الخالصة إلى آفاق إنسانية واسعة، وأسئلة وجودية حائرة؛ برغم قصر الفارق الزمني بين قصائد الديوانين، يُدركْ فداحة رحيل هذا الشاعر قبل أن يستوفي تجربته الشعرية، ناهيكَم عن القصائد التي لم يتضمنها الديوانان، وقد نشرتُها مع سائر شعره في: (المجموعة الشعرية الكاملة) التي توليتُ جمعَ قصائدها، ثم صَدَرَتْ عن نادي الباحة الأدبي عام2009م، بعد أن قطع الأجلُ الأملَ في استمرار هذه النبع الشعري الفياض؛ برحيل الشاعر عبدالله الزمزمي عام2007م، ولم يجاوز الثالثة والأربعين من عمره.