ما لا تُسقطه الريح ..!

لم تكن الحكاية تحتاج اسماً، ولاوجها يجلس أمامي. كانت تكفيها مساحة صغيرة من صمت تتسع فجأة كأرضٍ عطشى مسها مطر عابر. في يومٍ ما وجدتني امشي داخل بياض طويل، كأنني ابحث عن ظلّ في ظهيرة لا ترحم. كان كل شيء ساكنا، وانا وحدي اتحرك في داخلي، ثم استوقفتني مساحة ملونة لا اعرف لها نسباً ولا سيرة، لكنني شعرت انها تعرفني،امسكت بي كما تمسك الريح بطرف عباءة في الفلاة، فلا تتركها حتى تبوح بما فيها. تأملت اللون قبل ان يكون لوحة مكتملة،رأيته في مخيلتي غباراً مبعثراً، مثل رمل لا يلتفت اليه، ثم تخيلت يداً وحيدة تجلس على كثيب صبرها، تمزج الصمت بالصمت، وتضع نقطة فوق أخرى ثم تعدّ النقاط وتحصيها كما تحصى النجوم في السماء الصحو. هكذا يولد المعنى: قليل من الجرأة وكثير من الاحتمال. الذي لم يعش تحت شمس قاسية لن يفهم كيف يمكن للألم أن يلد الجمال. الشمس هناك لا تمزح، والجفاف لا يجامل. الوجوه تتعلم الصمت باكراً، والاكتاف تحفظ ثقل الأيام، في تلك الارض تتكون العين التي ترى التفاصيل الصغيرة، اثر قدم، ارتعاشة ظل، انكسار نبرة،ومن تلك التفاصيل تتشكل الحكايات. وفي لحظة أخرى، حين تمدد التعب مثل ظل نخلة، تسللت معزوفة رفيعة الى أذني، لم ابحث عن اسمها، كانت كافية بذاتها. تجمعت أصوات النغم في المعزوفة كما تتجمع قطعان عند المغيب، او كما تتعانق خيوط الشمس الاخيرة فوق ساحة فسيحة قبل أن تذوب، شعرت ان وترا خفياً مشدود بين صدري والهواء، إن شددته أنّ مثل ريح تائهة، وان ارخيته تموج مثل بحر يعرف عمقه ولا يبوح به. وبجوار البحر هناك من يخرج قبل الضوء، يلقي شبكته في عتمة الماء، ويعود اما بقبضة فراغ او بامتلاء يكفيه، تلك المغامرة هي ذاتها مغامرة اللون حين يلامس البياض، ومغامرة القصيدة إذا أفاق شطرها الأول على الصمت، ومغامرة النغمة عندما تخترق السكون. تلك المغامرات ليست صفاءً خالصاً، ففي طياتها قدر من اللذة وكثير من العناء والانتظار، ولحظات عسر يخيّل للمرء فيها أن الفجر نسي طريقه ! وما أن تستقيم اللحظة ويلوح المعنى، يطغى الرضا على ماقبله، ويصبح الألم جزءاً من سُلّم الصعود. وهناك من يودعون سرهم في التراب ثم يمضون.. لعل أحدهم هو «زارع الورد» الذي قال عنه صوت الأرض طلال مداح : وردك جميل محلاه .. فتّح على غصنه لما الندى حياه .. نوّر وبان حسنه يداه تغيبان في الطين كما تغيب البذرة في عتمتها الأولى، ولا شيء يوحي بان الحياة تستعد للصعود، تحت سطح صامت تجري حكاية لا ترى، جذور تتسلل في الخفاء وتمسك الارض كما يمسك القلب وعده البعيد. وإلى الناحية الأخرى نخلة باسقة لاتبوح بعطشها، ولا تستعجل حلاوتها، ترفع قامتها ببطء وتخبئ في جوفها موسما كاملاً من الصبر، وحين يتدلى الثمر اخيراً يبدو الأمر كأنه حدث عابر، وهو في الحقيقة زمن طويل تقطر في داخله الماء قطرة قطرة. كما ان الراعي ان اضاع عصاه تفرق قطيعه، وكما ان الموج ان كسر مجدافا ابتلع صاحبه، كذلك القلب ان فقد ما يغنيه تيبس،الفن ليس حلية على أطراف الحياة، بل وتدها الخفي، وبدونه تصير المدن كئيبة، وطرقات يتردد فيها صدى الخطى فقط. أتصوّر وجها لفحته الشمس، او يداً ملحتها المياه، أو حنجرة تحرث الصمت لتخرج منه حرفها الأول، أو ومضة تطارد اللحظة قبل أن تموت، فادرك انني لا ابحث عنهم بل عني، عن تلك اللحظة الصادقة قبل ان تذروها الريح، عن اثر قدم او بقعة لون، او جملةُ تقاوم العطش. كلما لامست لوناً، او داعبت وتراً، او رتبت حرفاً فوق حرف، اشعر انني اجمع ما تفرق في داخلي، كأنني اضم قطيعاً شرد في القيظ، او أرقع شبكة مزقها الموج، ليس العالم من يتغير في تلك اللحظة، بل شيء صغير في صدري يستقيم. نحن نمشي بين شمس تحرق، ورمل يمتد، وبحر لا يهدأ وأزهار تتشكّل من عتمة التراب. وما يبقينا واقفين هو الظل الخفي للمركب الصغير الذي نحمله في الداخل. به لا يضيع القلب في الفلاة، ولا تغرق الروح في الماء، ولاتميل الشجرة حين يشدها الطين من سره العميق.