الشاعر الذي لم يمر بصمت.

يعود الشاعر للمدينة بهدوء، بنية البقاء. عاد في مساء رمادي لا يثير أي شعور. قرر أن يختبر الحياة بطريقة مختلفة، أن يتخلى شيئا قليلا عن النظرة السوداوية التي يحملها «شاعر». كان يكتب بلغة مختلفة، لا يحاول أن يتشبه بأحد، كان يحمي شعره كمن يحمي قلبه من أن يُكسر، رغم أن كسره هو من سينضجه. لكن شيئا ما فيه تغير، تخلى عن تفاوضه مع الحياة، ولم يعد يأبه بشيء. تتلبسه الروح القديمة أحيانا، فيرى الأشياء بشعريتها لا بحقيقتها، ينفض رأسه ليطرد الفكرة، فكل شيء حقيقي الآن، كل شيء يبتعد عن الشعر ويقترب من شيء آخر لا يدري ما هو. بقي يزور ساحة المدينة القديمة، ولا يعلم تحديدا لماذا، هل لأنه أراد أن يحتفظ بشيء مما كانه، أم أنه أراد أن يتلاشى ارتباط الأشياء بالشعر. جلس في المقهى ذاته، على الطاولة المائلة نفسها، وكأن شيئا لم يتغير، لكن الحقيقة أن كل شيء تغير. همس لنفسه: «لا مكان للشعر في هذا العالم، حتى وإن نظرت مجددا..» أصبح يتحرك كثيرا، أو يفتعل الحركة، لا مكان للهادئين في هذا العالم. بقي يلتفت ويحدق في هاتفه. لم يكن يدرك لماذا ينظر الناس لهواتفهم طوال الوقت. أصبح يعلم أن أشد عزلة هي أن تبتعد عن هاتفك، لا عن البشر. سأله النادل بابتسامة: «هل عدت؟» أجاب بصوته الخافت وبابتسامة مصطنعة: «ربما لم أذهب، وربما لم أعد..» اللعنة، ما زال يتحدث شعرا رغم محاولاته بألا يفعل. لا بأس، الاعتياد يحتاج وقتا. تفاجأ بورقة وقلم على طاولة المقهى، مرة أخرى تلبسته عادته القديمة، كمن ارتكب إثما وظن أنه نسيه، أخذ القلم بسرعة، وخط على الورقة بخط مرتعش: «أعود بلا شيء، كي أكتشف كل شيء من جديد..» اعتاد مرارة القهوة، همس لنفسه: «لكي تنتمي إليهم؛ يجب أن تشبههم..». لم يعد هدوؤه يثير قلق المتعجلين ويلفت النظر كما كان. شعر بأن غيابه عن المدينة دهرا غسل عنه ما علق به من الشعر؛ فقط لأنه قرر أن يكون شيئا آخر، ليس شاعرا، كأن قراراتنا تغسل عنا كل ما علق بنا أو علقنا به، كأن الغياب يزيل عن أعيننا غشاوة، أو يغطي أعيننا بغشاوة فلا نعود ننظر كما كنا سابقا. أصبح يركض ولا يتوقف، كأنما يريد أن يلحق بالحياة التي فاتته، أو التي جعلها تفوته. أصبح يزور المقاهي التي تعج بالأشياء، وتمتلئ بالأحاديث التافهة، لا شيء من ذلك يشبه حقيقته، لكنه يحاول، وما الإنسان إلا محاولات مستمرة. أصبح يبتلع طعم اللحظات بسرعة، توقف عن محاولة رؤية الشعر والبحث عنه، كان يحرك عينيه بين الأشخاص والأشياء بسرعة، كأنما يريد أن يختزن كل هذا العالم الحقيقي في رأسه. أحيانا حتى هو لا يصدق أنه هو، أنه تحول إلى هذا الكائن الذي لا يميزه شيء. أصبح يلتفت كثيرا، كأن هناك شيء في الحياة سيفوته لو لم يفعل. لم يعد الهدوء سمة الشاعر، أراد أن يغيرها ليتغير هوـ كان هناك يحاول أن يكون موجودا بكل ما يمكنه. تقمص صخب المدينة، وخلع عنه هدوء القرية، سيّله ليجري في مجاري المدينة المكتظة بكل ما تخلفه من قاذورات. أصبح يكسر صمته بأي شيء، أحيانا يجب أن نكسر الصمت وإلا سنُكسر نحن. أصبح يسير على أطراف المعاني دون أن يخوضها، يتحين فرص الشعر القديمة لينظر إليها بنظرة أخرى، نظرة الشاعر الذي هجر الشعر وأراد أن ينسلخ في المدينة. أصبح يصطنع الوضوح الذي طالما هرب منه؛ فالوضوح سمة الجاهلين، لا شيء في هذا العالم واضح. لا مكان للشعراء في هذا العالم، لا مكان للشعر في هذا العالم، فقد الإنسان نفسه وبوصلته وقلبه وخُلقه، ألا يفقد الشعر؟ أصبح لا يكتب إلا قليلا، ولا يمزق شيئا، يحارب ذاكرته لتبعده عن كل ما يمكن أن يكون شعرا. عاهد الكون على أن ينجرف معه أينما يريده. صار الشعر أثقل عليه من الحديث، أصبح يبحث عن الأصوات الجديدة التي لم يكن يلتفت لها. تعلّم أن يصغي للكلمات، لا لما وراءها كما كان يفعل. لم يعد للريح صوت، ولا للأشجار، أصبحت أصوات وقع الأقدام، والأحاديث التافهة التي تمتلئ بها المقاهي هي الأصوات التي يبحث عنها. لم يعد يعُدُّ الصمت شيئا، يجب أن تتحدث لتُرى. اللغة انتفاء للصمت، فكيف يمكن أن يكون الصمت لغة؟ في الحقيقة يريد البحر أن يوصف كما هو، لا أن يخلط بينه وبين الشوق، تريد الأشياء أن تظهر كما هي، لا بما تشبه. فقد إيمانه بالشعر، أو أن الشعر فقد إيمانه به. تسللت له عدوى المدينة، أو هو من سمح لها بأن تتسلل إليه. تعاظمت داخله حتى امتلأ بها وتقيأها. تلبسه شيطان الشك، استولى على عقله، ركبه مثل وسواس أحمق، لم يعد يعرف إن كان سيبقى، أم إن مجرد هذا عبور آخر. شعر بأن كل شيء يعيده إلى نفسه، بأن طبائعنا لا يمكن أن تتغير ولو أردنا وقررنا وحاولنا. فجأة انتبه وصرخ: «لا شي يشبهني من ذلك كله»، شعر بأن غشاوة زالت عن عينه، بدأت المدينة تعود لصورتها القديمة أمامه، اختفى الضجيج والأحاديث التافهة، اختفت العجلة فجأة، كشعور فيلم انتهى دون أن تدرك المشهد الأخير. عاد الهدوء يتنفس، عادت إليه اللحظات التي كان يرى فيها العادي استثنائيا، بدأ يشعر بشيء من التوازن الذي افتقده، بدأ العالم حوله يعود إلى توازنه. ما زال الشعر يسكنه حتى الآن.. انتبه: الشاعر لا يمكن إلا أن يكون شاعرا ولو حاول خلاف ذلك. لا شيء في هذا العالم يمكن التقاطه بغير الكلمات، لا شيء يمكن أن يعالج الرغبة الملحة للتعبير عن العالم شعرا.. هكذا الشعر، يصل دون سابق إنذار، ينسل إلى الفراغات بين أفكارك، وأحاديثك، وحياتك اليومية، وتفاهاتك.. عاد الإحساس القديم يتسلل إليه، الإحساس بأن هناك شيئا ما بعيد عنا، بعيد عن فهمنا، لكنه في متناول أيدينا لو استطعنا إيجاد الكلمات المناسبة له. كمال يمكن أن يغلف الأشياء التافهة والمؤقتة، كأن العالم موجود دائما لنعيد اكتشافه بالشعر.. لا، ليس هذا ما يفعله الشعراء، لا يحضر الشاعر بنفسه، بل بشعره، لا يحضر بجسده، بل بشعوره وحدسه. يتسلل الشاعر حضورا وغيابا، يفاجئك بهدوء وجمال، يعود ليشير بهدوء إلى العالم ويقول: «لا تتوقف عن النظر ما زال هناك شعر في هذا العالم..» عاد يكرر الجملة كأنه سينساها «انظر مجددا.. انظر مجددا.. هناك شعر في هذا العالم..»