رحلة طلابية تنتهي ببلاغ لجامعة الملك سعود ..
طالب الثانوية الذي إكتشف «نيزكاً» في وادي الدواسر .
يُعد نيزك وادي الدواسر واحدًا من أبرز النيازك المكتشفة في المملكة العربية السعودية، ليس فقط لضخامته، بل لما يحمله من قيمة علمية وتاريخية. ويقدّر بعض الجيولوجيين عمر هذا النيزك، المعروض حاليًا في المتحف الجيولوجي بكلية العلوم بجامعة الملك سعود بالرياض، بنحو ٤٥٠٠ مليون سنة، وهو ما يوازي تقريبًا عمر كوكب الأرض. كما يُقدَّر تاريخ سقوطه من الفضاء وملامسته سطح الأرض في موقعه بصحراء وادي الدواسر بآلاف السنين. ظل هذا النيزك، الذي يبلغ وزنه نحو ١٢٠٠ كيلو جرام، في موقع سقوطه بصحراء وادي الدواسر حتى ما قبل نحو ٥٢ عامًا تقريبًا، دون أن يُعرف على نطاق واسع. ولم يصبح لافتًا ومحطًا للأنظار إلا بعد حفر بئر ارتوازية بالقرب منه، تحولت مقصدًا للرعاة وعابري الصحراء والمتنزهين للتزود من مياهها المتدفقة. ومع مرور الوقت، باتت هذه البئر تُعرف باسم “بئر أبو حديدة”، نسبةً إلى ذلك الجسم المعدني الضخم القابع بالقرب منها، والذي لم يكن يُعرف آنذاك إلا باعتباره مجرد “حديدة” وسط محيط صحراوي شاسع. ورغم وجود هذا النيزك أو الحديدة على هذه الحال، فإنها لم تُثر – قبل حفر البئر أو بعده – فضول أو اهتمام أي شخص أو جهة للتحقق من طبيعتها أو الإبلاغ عنها، إلى أن جاء يوم ١٣٩٤/١/٢٧هـ الموافق ١٩٧٤/٢/١٩م، وهو اليوم الذي شكّل بداية كتابة تاريخ جديد لهذا النيزك. ففي هذا التاريخ، قمت باجتهاد شخصي، وبعد توفيق الله، وكنت حينها طالبًا في الصف الثاني بالمرحلة الثانوية، بمخاطبة عميد كلية العلوم بجامعة الملك سعود، موضحًا وجود هذا النيزك. جاء الرد بخطاب رسمي يحمل رقم ٣٦٩ وتاريخ ١٣٩٤/٣/١٥هـ الموافق ١٩٧٤/٤/٧م، من عميد كلية العلوم آنذاك الدكتور سالم أحمد مليباري، متضمنًا الشكر والتقدير على هذا الاهتمام، ومشيرًا إلى أنه تقرر قيام فريق من قسم الجيولوجيا برحلة ميدانية إلى وادي الدواسر للتعرف على الموقع الذي وُجد به النيزك. وكان من دوافع إبلاغي كلية العلوم عن هذا النيزك مزيجًا من المشاهدة المباشرة والمعرفة المسبقة؛ إذ سبق أن شاركت زملائي في الصف في المعهد العلمي بوادي الدواسر في رحلة طلابية قصيرة إلى بئر أبو حديدة، حيث شاهدنا البئر ومياهها المتدفقة دون توقف ودون مضخة، وما يحيط بها من شجيرات وأعشاب وصحراء ممتدة، كما شاهدنا عن قرب هذا النيزك المسمى بالحديدة آنذاك، ثم أنهينا رحلتنا في نهار اليوم نفسه. وقد ارتبطت صورة هذا النيزك في ذهني بما سبق وقرأته عن النيازك في مقال بعنوان “النيازك… حجارة وفلزات من الفضاء”، نُشر في مجلة قافلة الزيت (عدد شوال ١٣٩٣هـ الموافق أكتوبر/نوفمبر ١٩٧٣م)، وتضمن صورًا لنيازك مماثلة في شكلها العام لهذا النيزك، والتي كان لها أثر مباشر في الإبلاغ عن هذا النيزك. كما أسهمت تجربة سابقة، تمثلت في تعاملي خلال رحلة طلابية أخرى في نفس العام الدراسي مع عالم الآثار ورئيس قسم التاريخ بجامعة الملك سعود آنذاك الدكتور عبدالرحمن الأنصاري – رحمه الله – أثناء ترؤسه فريقًا للتنقيب عن الآثار في قرية الفاو بوادي الدواسر، وما لقيته منه من تقدير وتحفيز، إضافة إلى دعوته لي للانضمام إلى جمعية الآثار التي كان مسؤولًا عنها، حيث أسهم هذا في تعزيز الثقة بأهمية المبادرة والإبلاغ عن الاكتشافات ذات القيمة العلمية. وبالفعل، وصل الفريق العلمي المختص من قسم الجيولوجيا بجامعة الملك سعود إلى مقر المعهد العلمي بوادي الدواسر في صباح يوم دراسي. وطلب مقابلتي عن طريق إدارة المعهد أثناء وجودي في حصة دراسية، ثم طلبوا مني مرافقتهم إلى موقع النيزك في الصحراء، إضافة إلى مدير المعهد، وكان معهم مندوب من محافظة وادي الدواسر. وضم فريق قسم الجيولوجيا عددًا من المختصين، وممن تحضرني أسماؤهم الدكتور عبدالملك الخيال، والدكتور أسعد عبده، والدكتور فرج، وربما كان من بينهم أيضًا الدكتور خالد التركي، إضافة إلى عدد من الإداريين والفنيين. عقب الزيارة الميدانية، قامت جامعة الملك سعود بنقل النيزك من وادي الدواسر إلى مقرها في الرياض، وعرضته ضمن معروضاتها الجيولوجية. ولا يزال معروضًا إلى اليوم في كلية العلوم داخل صندوق زجاجي شفاف، وبداخله بطاقة تعريفية توضح وزنه ومكوناته ومعلومات أخرى باللغتين العربية والإنجليزية. كما وُضعت على الصندوق من الخارج ورقة كُتب فيها العبارة التالية: “تم الاستدلال بهذا النيزك عام ١٣٩٤هـ من قبل المواطن ناصر بن حمد الحنايا، ويعد ملكًا خالصًا لجامعة الملك سعود”. ويُعد نيزك وادي الدواسر ثاني أكبر نيزك مكتشف في المملكة العربية السعودية بعد نيزك الربع الخالي، من حيث أقدمية الاكتشاف والوزن. فقد اكتُشف نيزك الربع الخالي عام ١٩٣٢م، بينما كان اكتشاف نيزك وادي الدواسر عام ١٩٧٤م. ويبلغ وزن نيزك الربع الخالي نحو ٣.٥ طن تقريبًا، في حين يزن نيزك وادي الدواسر نحو ١.٢ طن تقريبًا. ولا توجد في المملكة، حتى تاريخه، نيازك أخرى تقارب هذين النيزكين من حيث الوزن، مع أن هيئة المساحة الجيولوجية السعودية أعلنت أنها سبق أن اكتشفت خلال الفترة من عام ٢٠١٢ إلى عام ٢٠١٩ عدد ٨٣ نيزكًا في مناطق متفرقة من المملكة. ومن خلال المتابعة، يبدو أن الحاجة قائمة لبحث موضوع النيازك في المملكة، وصولًا إلى وضع تنظيم شامل لها. ويشمل ذلك آلية البحث عنها، ورصدها، وتوثيقها، وتسميتها، إضافة إلى تحديد واجبات وحقوق الأشخاص عند عثورهم عليها. كما يبرز التساؤل حول ما إذا كان يُسمح للأفراد بالبحث عن النيازك واقتنائها وتداولها، لا سيما ما ليس له قيمة علمية أو بحثية، وما الضوابط المنظمة لكل ذلك. ويمكن لمثل هذا التنظيم، إذا ما وُضع بشكل مدروس، أن يفتح نشاطًا اقتصاديًا جديدًا ويعزز من نشاطات أخرى. إن ما دعاني لكتابة هذه المقالة هو لغرض التوثيق التاريخي لوقائع ظلت غير واضحة على وجه دقيق عن كيفية اكتشاف هذا النيزك ومن قام بالدلالة عليه والإبلاغ عنه، وذلك باعتباري شخصيًا من باشر هذه الوقائع أو شارك فيها أو حضرها، وأيضًا لغرض إبداء مرئياتي حيال وضع تنظيم شامل للنيازك في المملكة. وهنا أود أن أوجّه الشكر والتقدير إلى عميد كلية العلوم بجامعة الملك سعود الدكتور زيد العثمان، وإلى رئيس قسم الجيولوجيا والجيوفيزياء سابقًا الدكتور صالح القيسي، وإلى رئيس القسم حاليًا الدكتور طلال الحربي، والشكر والتقدير موصول أيضًا لرئيس الجمعية السعودية لعلوم الأرض الدكتور عبدالله العمري لإتاحة الفرصة لي لمقابلة كلٍّ منهم في شأن هذا النيزك. *وكيل وزارة الداخلية للأحوال المدنية سابقًا.