حين تصمت المنظمات الحقوقية.

في عالم تتكاثر فيه المنظمات غير الحكومية التي ترفع شعار الدفاع عن حقوق الإنسان، يُفترض أن يكون الحياد ركيزتها الأولى، وأن تكون المعايير واحدة لا تتغير بتغير الجغرافيا أو المصالح. غير أن التجربة تكشف أن كثيرًا من هذه المنظمات لا تسلم من الانتقائية في أولوياتها رغم خطابها المثالي. من أبرز هذه الكيانات الدولية منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، اللتان تقدمان نفسيهما بوصفهما ضميرًا عالميًا يراقب الانتهاكات حيثما وقعت. غير أن المتابع يلحظ نشاطًا مكثفًا في مناطق جغرافية معينة واندفاعًا واضحًا نحو ملفات بعينها، مقابل صمت تام في ملفات أخرى، وإبرة البوصلة يحركها مغناطيس (التمويل). فكثيرًا ما انتقدت هاتان المنظمتان دولًا محددة، ومن بينها المملكة العربية السعودية، عند تطبيقها أنظمتها القضائية بحق من تثبت إدانتهم بجرائم جسيمة، معتبرتَين تلك الأحكام انتهاكًا لحقوق الإنسان رغم أنها إجراءات تندرج ضمن أطر نظامية وسيادية مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وبينما يتكرر هذا الحضور النقدي، يتضح عبر منصاتهما الإعلامية ما يشبه ازدواجية في المعايير حين تكون الانتهاكات في بيئات أكثر حساسية سياسيًا أو ارتباطًا بدوائر النفوذ. عندما طفت على السطح فضيحة جيفري إبستين، لم تكن القضية حادثة جنائية عابرة، بل واحدة من أكبر قضايا الاستغلال الجنسي المنظم لفتيات قاصرات في العصر الحديث. شبكة اتجار بالأشخاص واستغلال نفوذ ومال واعتداءات تمس جوهر الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، وتتصادم مباشرة مع المبادئ التي ترفعها المنظمات الحقوقية بشأن حماية النساء والأطفال. أصبحت القضية رأيًا عامًا عالميًا، وكشفت عن خلل عميق في منظومة المساءلة حين تتداخل السلطة والثروة والعلاقات الدولية. ومع ذلك لم نشهد الزخم ذاته الذي اعتاد الرأي العام رؤيته في قضايا أقل اتساعًا وتعقيدًا. لم تتحول الفضيحة إلى حملة ممتدة، ولم تصبح محور تقارير متتابعة تضاهي حجم الجريمة وتشعب شبكاتها. حتى في المنصات الرقمية النشطة، مثل حسابي المنظمتين على منصة (×) بدأ الحضور غائباً تماما. هنا لا يتعلق الأمر بالمطالبة بتسييس قضية جنائية، بل بثبات المعايير في الخطاب. فإذا كانت منظمة تدّعي الدفاع عن المعايير الكونية ترى في بعض الإجراءات السيادية انتهاكًا يستوجب بيانات عاجلة وضغطًا مستمرًا، فكيف يغيب صوتها بالقدر ذاته حين يتعلق الأمر بانتهاكات صارخة لحقوق الطفل والمرأة في قضية ذات أبعاد دولية. العمل الحقوقي يفقد كثيرًا من شرعيته حين يُنظر إليه بوصفه انتقائيًا. فالعدالة لا تتجزأ، وحقوق الإنسان لا تُقاس وفق الموقع الجغرافي أو الهوية السياسية للمتهم. الانتقائية لا تضعف الرسالة فحسب، بل تمنح خصوم الخطاب الحقوقي ذريعة للطعن في دوافعه، وتحوّل المطالب الأخلاقية إلى ما يشبه أدوات ضغط سياسي بدل أن تكون التزامًا مبدئيًا ثابتًا. ليس هناك أسوأ من منظمة تدّعي الحياد وتكثف الضوء على زاوية وتخفيه في أخرى. الثقة تُبنى على ثبات المعايير لا على بلاغة البيانات. وإذا كانت المنظمات الحقوقية تطالب الدول بالشفافية والمساءلة، فإن الرأي العام يطالبها بالمعيار ذاته، وضوحًا في الأولويات وجرأة في تناول القضايا الحساسة أيًا كان موقعها، فالاختبار الحقيقي لأي مؤسسة حقوقية لا يكمن في انتقاد دول بعينها، بل في الاستعداد لمقاربة الملفات التي تمس شبكات النفوذ الأقوى حيث تتداخل السياسة والمال والسمعة الدولية. فضيحة إبستين لم تكن جريمة فردية فحسب، بل لحظة كاشفة لاختلالات أعمق في منظومة المساءلة العالمية. والدرس الذي تتركه لا يتعلق بالمتهمين وحدهم، بل أيضًا بمن يدّعون حراسة المعايير. فالمصداقية الحقوقية، كأي قيمة أخلاقية، لا تحتمل الكيل بمكيالين.