التغذية المدرسية والمكتبة..

ذاكرة تعليمية تستحق الاستعادة.

عرف التعليم في المملكة العربية السعودية، منذ عقوده الأولى، مسارًا تصاعديًا في الرؤية والرسالة، لم يقتصر على نقل المعرفة، بل تجاوزها إلى بناء الإنسان في جسده وفكره معًا. وقد كانت وزارة المعارف – في مراحل مبكرة – واعية بهذه الحقيقة، فصمّمت برامج تربوية متكاملة، أدركت أن الطالب لا يتعلم بعقله وحده، بل بجسده السليم، ونفسه المستقرة، وبيئته المدرسية الغنية. ومن بين تلك البرامج التي ما زالت حاضرة في ذاكرة أجيال من المعلمين والطلاب، يبرز برنامج التغذية المدرسية، إلى جانب المكتبات المدرسية، وما ارتبط بهما من وحدات صحية مدرسية، كوحدات دعم متكاملة للعملية التعليمية. لقد كانت التغذية المدرسية آنذاك مفهومًا تربويًا قبل أن تكون وجبة غذائية. لم تُقدَّم للطالب بوصفها ترفًا، بل بوصفها جزءًا من منظومة الرعاية التي تكفل له القدرة على التركيز، والنمو السليم، والاستعداد الذهني للتعلم. وكانت الوجبات المقدمة – بشهادة من عايشها – تتسم بالجودة، والتوازن الغذائي، والانتظام، بما يفوق في كثير من الأحيان ما يُتاح اليوم في المقاصف المدرسية التجارية، مهما تنوّعت منتجاتها. ولم يكن أثر هذا البرنامج صحيًا فقط، بل تربويًا وسلوكيًا؛ إذ أسهم في تعزيز الانضباط، والشعور بالعدالة بين الطلاب، وتقليل الفوارق الاجتماعية داخل الفصل الدراسي، فالجميع يتلقّى الرعاية نفسها، في بيئة واحدة، تحت إشراف المدرسة. أما التغذية الفكرية، فكانت الوجه الآخر المكمل للصورة. المكتبات المدرسية لم تكن غرفة مغلقة، ولا رفوفًا صامتة، بل كانت فضاءً حيًا للقراءة، والاكتشاف، وتكوين العلاقة الأولى مع الكتاب. كانت الكتب المختارة بعناية، والصحف والمجلات الوطنية حاضرة، تغرس في الطالب الانتماء، وتوسّع أفقه، وتربطه بما يجري في وطنه ومجتمعه. وجود أمين مكتبة متخصص لم يكن تفصيلًا إداريًا، بل عنصرًا تربويًا فاعلًا، يوجّه الطالب، ويقترح عليه، ويصنع الجسر بينه وبين المعرفة. وقد أسهم هذا الدور في اكتشاف مواهب، وصناعة قرّاء، وبناء علاقة مبكرة مع الثقافة الوطنية. وإلى جانب ذلك، أدّت الوحدات الصحية المدرسية دورًا مهمًا في الوقاية، والمتابعة، والتوعية، فكانت المدرسة فضاءً متكاملًا للرعاية، لا يقتصر على الحصة الدراسية، بل يشمل صحة الطالب الجسدية والنفسية. إن استحضار هذه التجربة لا يعني التقليل من الجهود الحالية، ولا إغفال ما تحقق من تطور كبير في بنية التعليم ومناهجه وتقنياته، بل هو تذكير بنموذج ناجح يمكن الإفادة منه، وإعادة قراءته بما يتناسب مع معطيات العصر، وإمكاناته، وتحدياته. ففكرة إعادة برنامج التغذية المدرسية، على سبيل المثال، يمكن أن تُطرح اليوم بصيغة حديثة، تراعي الاستدامة، والجودة، والشراكة مع القطاع الخاص، بل وحتى فرض قيمة رمزية بسيطة تسهم في تعزيز الوعي الغذائي لدى الطالب، وتضمن استمرارية البرنامج، دون أن تُثقل كاهل الأسرة أو الدولة. هذه القيمة الرمزية قد تمنح الوجبة تقديرًا أكبر لدى الطالب، وتجعلها جزءًا من سلوك منظم، لا مجرد عطاء مجاني عابر. أما المكتبات المدرسية، فإن إحياءها اليوم لا يتعارض مع التحول الرقمي، بل يتكامل معه. فالمكتبة يمكن أن تكون ورقية ورقمية، وطنية المحتوى، حديثة الوسائط، يقودها مختصون مؤهلون، يواكبون اهتمامات الجيل، ويزرعون فيه حب المعرفة، لا مجرد استهلاك المعلومة السريعة. إن الدولة – التي استثمرت بسخاء في التعليم، وبنت الجامعات، وابتعثت أبناءها، وطوّرت المناهج، ورفعت كفاءة المعلم – لا شك أنها حريصة على كل ما يعزز جودة مخرجات التعليم، ويخدم الطالب بوصفه ثروة الوطن الأولى. ومن هذا المنطلق، فإن استعادة هذه البرامج، أو تطويرها بروح جديدة، يأتي في سياق الوفاء لرسالة التعليم، لا الحنين إلى الماضي. التجارب الناجحة لا تموت، بل تنتظر لحظة إعادة القراءة. وما كان صالحًا بالأمس، يمكن أن يكون أكثر نضجًا اليوم، إذا ما أُحسن توظيفه، وتكييفه، وربطه برؤية الدولة وتوجهاتها المستقبلية. إن الحديث عن التغذية المدرسية، والمكتبات، والوحدات الصحية، ليس حديثًا عن تفاصيل إدارية، بل عن فلسفة تعليمية ترى في الطالب كائنًا متكاملًا، يحتاج إلى غذاء الجسد كما يحتاج إلى غذاء العقل، وإلى بيئة مدرسية تحتضنه، لا تكتفي بتلقينه. وفي هذا السياق، يظل الأمل معقودًا على أن تجد هذه الرؤى طريقها إلى الدراسة، والتأمل، والتطوير، بما يخدم الوطن وأبناءه، ويعزز ما عُرفت به الدولة – ولا تزال – من عناية بالإنسان، واستثمار في مستقبله، وإيمان بأن التعليم المتكامل هو الأساس المتين لأي نهضة مستدامة.