نور الدين ضياء.
تُناقضُ الأصواتُ في الشارع موقعَه على خريطة جدة، ضاجةً بلغاتٍ جنوب آسيوية. أزقة مكونة من حوارات متداخلة، تفصل بين حوانيت الحلاقة، والمشاغل، والقرطاسيات، وتتوزع في طول الشارع المقابل الأحاديث ذاتها المغايرة للغة المنتمية لأرضه. وتأثّر بذلك طابع المطاعم المجاورة، ممتدةً من الكاري الهندي، حتى المنتو والكراهي. في الزاوية مخبزٌ للتميس. خرج منه - وهو يحمل تميسه على لوح كرتوني- عابرًا الشارع في عجلة من أمره، والمازورة الملتفة حول رقبته قد انسلّت حتى سرّته المنتفخة من وراء ثوبه البنجابي المختنق إلى أن وصل لوجهته. هكذا شُوهد (نور الدين ضياء) أسفل لافتة (مشغل صفاء للخياطة النسائية) بمتر، رافعًا يده المتمسكة بكوب الكرك المهدد بالسقوط نحو أبعد نقطة عن الخبز. حاول رفس باب المحل بقدمٍ واحدة، مثبتًا اتزانه على الأرض بأخرى. وعندما صَعُب عليه الأمر ألصق شفتيه على زجاج المحل مزمجرًا لصديقه البنقلاديشي الجالس عند ماكينة الخياطة: (الله لعنت كرته هي) ألا تراني متورطًا بالدخول؟ عندما يغضب، كانت تضطرب لهجته الهجينة بين البشتونية والعربية، أو كما يصف هو حالها البدائي بـ»شويا شويا». واجه صعوبة وهو يمرّ في وسط فوضى المحل، واستمع خلسةً لحديث صديقه المشغول مع ابنته الصغيرة في مكالمة الفيديو، وعرف أنها مشتاقة لوالدها جدًا، وأنها أنجزت واجباتها المدرسية، وأنها تشتهي المثلجات، نكهة الفانيليا تحديداً، والكثير من التفاصيل التي لا تهم نور الدين. رأته وهو يمر من وراء أبيها، فأشاح بوجهه بعيدا عنها عندما حيّته، وخاض غمار لفافات الأقمشة على الأرض حتى وصل إلى طاولته. ظل مقطبا حاجبيه، فلم يكن ما حصل للتو محببا لنور الدين ضياء، الرجل الباجوري الجاف. الذي اجتهد في رسم صلابته بدقة في اللقاءات الأولى لكل من يقابله؛ كيف يضغط كف من يصافحه، وكيف ينظر للأعين بحدة، ويومئ كثيرًا لإظهار التجاعيد في جبينه، ويعقد حاجبيه بلا مناسبة، ويبرز ملامح اشمئزازه كلما انسابت ضحكات للأطفال، أو ابتسم له أحد المارة. لكن الدهشة الأولية من أي مشهد جميل، كانت تظهر على ملامحه بغتة، كفضيحة يحاول إخفاءها. قبل عشرين عاما…لم يكن نور الدين يزاول حياته بهذا الجفاف.. كان ودودًا سخيّا في إبداء عواطفه، وقد بدأت تنبعث أولى شرارات تلك الشخصية البليدة بالظهور عندما أرغم على الزواج من ابنة عمه في الثامنة عشرة من عمره. كان يلعب الكريكيت مع أقرانه في الحي تلك الليلة، بينما جهّز أبوه مهر العروس، وضَمِن موافقة والدها، واختار نمطًا مسبقًا لحياتيهما، وأسماء لأبنائهما المستقبليين: (إقبال) للصبي الأول، و(ليلى) لأول بنت. وما أن فُرشت غرفة السطح عشًا للزوجين، حلّق نور الدين بعيدًا. طار مع التعذّر بالقلق من الغارات والأوضاع السياسية في باكستان، ومن غلاء المعيشة، وضيق الحال آنذاك. كان يمهّد للاغتراب بهذه الأعذار كثيرًا، وقد تضاعف وقعها على آذان العائلة بشكل واضح، ابتداءً من غثيان زوجته المفاجئ ذلك اليوم، وتقيؤها المستمر بعد ذلك، وازدياد وزنها الملحوظ. تلهفت أمه لتخبره بما ظنت أنه سيسعده، لكنه خاف من بشارتها تلك. لا يذكر نور الدين ما إذا كانت رغبته في نوم مريح، أو توقه لحرية العيش واللعب، أو خوفه من أن يؤقت يومه وفق ساعات نوم ويقظة مخلوقة صغيرة، هي الدوافع التي حرّضته على الهروب مغتربًا أم لا. لكنه حزم أغراضه للعمل في الخليج بلا تأجيل. ساق حججه للعائلة، فطمئن والدته بأنه سيكون مقيمًا بالقرب من مكة المكرمة، وأراح والده بأنه لن يعود إلا بسعة من الجيب يغيّر بها حالهم، كما تمتم للمرأة المنفوخة في غرفة السطح وعودًا بأنه لن يقطع التواصل (بهما). غادر من مطار بيشاور الدولي. وترك كل ما قد يجرّه إلى العودة عند سلّم الطائرة الهابطة على منفذ مدينة جدة. بعد اغترابه بشهر، بدأت زوجته تستعيد نحافتها من جديد، وفرغ بطنها وخوى كما كان قبل ثمانية أشهر. كان يعرف ما الذي حصل؛ تقديرًا للمدة التي مضت. وقد أكّد ظنه أحدُ معارفه وشركائه في الهجرة مباركًا له المولودة الجديدة (ليلى)، وعرف أن شيئًا ما يخصّه جدًا، يصيح في باجور.. تغاضى، وكثّف التهاءه بأعمال البناء، وإصلاح الأحذية، وأجهزة التكييف، إلى أن استقرّ على إزعاج ماكينة الخياطة، كأنسب مشتت لأصواته الداخلية التي تلح بالتساؤل عن حال باجور، والعائلة، وليلى جان. نجحت الماكينة بهديرها المزعج بأن تلهيه قرابة عشرين عامًا قضاها في الغربة… لكنه شكّ اليوم في سلامتها؛ عندما علا صوت تلك التساؤلات على صوتها. اجتاح قلبه الاشتياق، بشذوذ تام عن مشاعره اليومية الدائرة بين الغضب والاستياء. تمكّن منه الحنين حتى أخذ يتصور بخفّة: كيف كان يومها الدراسي؟ ومتى عادت؟ وهل أنهت واجباتها المدرسية أم لا؟ وما نكهة المثلجات المفضلة لديها؟ وهل تشاركه اعوجاج أنفه؟ أو صغر أذنه؟ وهل هي مرحة كما جُبل هو عليه في صغره؟ أم أنها جاءت نتاج نسخته الغاضبة الجديدة؟ اختلطت التصورات عنها في ذهنه، وتداخلت وجوهها الكثيرة في بعضها بوحشية. تصورها لوهلة كنسخة مصغّرة من أمه، ورآها مرة أخرى على ما يذكره من هيئة زوجته، ومرة تخيلها بوجهه دون شوارب، وسرح بخياله مرة، وركّب كل ما في الذاكرة من ملامح أفراد عائلته، وجمعها في وجه طفولي صغير. لم تقتصر تداعيات حنينه على سماع أغاني (غولنار بيغوم) من جديد كما اعتاد في شبابه. أو على ترديد مصطلحات بشتونية لم يعد يستخدمها منذ زمنٍ طويل، بل قرر في لحظة عاطفية أن يحزم أغراضه للعودة، وقد رتّب حقيبته البنية ذاتها بالترتيب نفسه عندما رحل. وخوفًا من أن يداهم حياتها ويده خالية، قرر أن يحيك لها فستانًا بشتونيًا بسيطًا، ويأخذه معه إلى باجور، ليتودد إليها به. قبل الرحلة قضى ليلة خصصها لتفصيل الفستان، جلس وقد حرص على ألّا ينقص من عدته إبرة، واستجمع كل خبرته متأهبًا لحياكة الرداء البشتوني المطرز، لسداد دين ابنته ليلى جان، والمقدّر بعشرين عاما من الأبوة. لوحظ تأخره في غرفة الخياطة. وقد كان يمسح رأسه لساعات، ويحكّ خده بحرارة، ويربّت بسبابته على شفتيه، ضاعت أفكاره واضطربت، ففسّر تورّطه في مسألة قياسها، كل مظاهر الحيرة التي بدت عليه وعلى مازورته. - ماذا لو كان واسعًا جدًا؟ أو ضيّقًا حتى الانفتاق؟ وكلما قصّره؛ تخيلها متورطة به فوق ركبتيها، وإذا طوّله قليلًا… خشي أن تتعثر به أثناء مشيها. كاد يفقد عقله لفرط الدروب التي يسلكها خيالُه كلما فكر في ابنته التي لم يرها قط. خيمت عليه غمامةٌ من حزن، وهو عاكفٌ على الفستان، يدور في حلقة مغلقة بين قص ورَقع؛ يوسّع مرة، ويضيّق مرة أخرى. تاه في تلك الحلقة، أمضى ليلته مُستنزفاً كل طاقته في التعديل، يرزح تحت وطأة العجز، وأمامه القماش المتبعثر. إلى أن وُجد في ظُهر اليوم التالي… يابسًا مُتخشّبًا على كرسيّه البلاستيكي، مُنكبًّا بوجهه على ماكينة الخياطة.