عن كتابه الجديد « ما وراء الأغلفة» ..

إبراهيم زولي يتفحص روائع القرن العشرين .

تمثل الكتابة عن كتب الآخرين شغفاً معرفياً، ومختبراً يجرب فيه الكاتب أدواته في قراءة الآخر المختلف، وصولا إلى طرح الأسئلة حول مدى حضور هذا الكتاب أو ذاك، ودوره في حياتنا ؟ عن كتاب إبراهيم زولي (( ما وراء الأغلفة / روائع القرن العشرين )) والذي جاء كقراءة للعديد من الكتب ــ مئات، ربما آلاف ــ خرج منها الزولي بهذا الكتاب، والذي يمثل ــ من وجهة نظري ــ كسرا لحاجز العادة الكتابي عند الكثير من الشعراء ؟ فالعادة يكتب الشعراء عن الشعر، أو نقده، لكن الزولي الشاعر في كتابه (( ما وراء الأغلفة )) كسر حجاز العادة وكتب عن الشعر، والرواية، والمسرح، وعن كتب فكرية وفلسفية أخرى ؟ إن قراءة كتاب (( ما وراء الأغلفة )) يفتح لنا الباب عن علاقة المبدع بالكتب والقراءة بشكل عام، هذه القراءة التي لا تكتفي بالمتعة الوقتية والإفادة، بل تنتقل إلى التأمل والفحص، والكتابة عن هذه الكتب ــ بتعدد مبدعيها ومفكريها ــ زمانيا ومكانيا، يعد مغامرة من الشاعر إبراهيم زولي ؟ فهو يضع نفسه أمام المساءلة من قبل الكثير من القراء عن المعنى من تخصيص هذه الكتب بالذات ؟ يقول الزولي في مقدمته للكتاب: (( في هذا الكتاب (( ما وراء الأغلفة، روائع القرن العشرين )) نذهب سويا في رحلة عبر ثلاثين عملا أدبيا وفكريا، صدرت خلال القرن العاصف، لنستكشف معا كيف شكلت هذه الأعمال وعي العالم، وكيف لا تزال تتردد أصداؤها في أذهاننا حتى اليوم .......، اخترنا هذه الأعمال بعناية لتعكس تنوعا ثقافيا وجغرافيا وفكريا يعبر الحدود)). من خلال هذه السطور، والتي جاءت في المقدمة يقوم الزولي باستدراج القراء لفعل المشاركة في القراءة من خلال (( نذهب سويا )) و ((لنستكشف معا )) و (( اخترنا هذه الأعمال بعناية لتعكس تنوعا ثقافيا وجغرافيا وفكريا يعبر الحدود)) وكأن الزولي يجعل من القراء مشاركين في فعل القراءة، مما يضع عليهم جزءا من تحمل قيمة هذه الكتب وحضورها في كتابه؟ إن مشاركة الزولي للقراء تضعهم أمام المساءلة عن قيمة الكتب في حياتهم، فالكتب تعكس تاريخ كتابها وقراءها، هذا ما تقوله المقدمة ؟ فالكاتب لم يتكلم بضمير (( أنا )) مع معرفتنا إنه لوحده من اختار الكتب وكتب عنها فـــي كتابه (( ما وراء الأغلفة )). يبدأ الزولي كتابه بقراءة (( كتاب تفسير الأحلام )) لفرويد، وينتهي بقراءة كتاب ((البريسترويكا)) للرئيس السوفيتي ميخائل جورباتشوف، وما بين تفسير الأحلام عند فرويد، وضياع الأحلام ــ من خلال تفتت الاتحاد السوفيتي ــ على يد الرئيس جورباتشوف، تطرح الكثير من الأسئلة في الكتاب ! الكتاب جاء بلغة متماسكة أساسها المواضيع، فالكاتب يقدم رأيه بعيداً عن احتفالية ال (( أنا ))، لذلك الكتاب ــ من وجهة نظري ــ يقوم على أمرين : الأول : تراكم معرفي، عبر قراءات متعددة، لمئات من الكتب، وربما لآلاف ؟ الثاني : رؤية وموقف الكاتب من هذه الكتب. إذا تجاوزنا ــ الأمر الأول ــ مسألة التراكم المعرفي وعدد الكتب وقيمتها، ودخلنا على ــ الأمر الثاني ــ مسألة رؤية وموقف الكاتب، فإن القراءة لكتاب (( ما وراء الأغلفة )) تشي برؤية وموقف للكاتب ينطلق منهما في اختياراته وقراءته للكتب، ففي قضايا الشعر والنقد، سنجد اختياره لكتاب الغذامي (( الخطيئة والتكفير)) كتاب طه حسين ((في الشعر الجاهلي)) وكتاب سارة برنار ((قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا)). هذه الثلاثة الكتب الثلاثة لها رؤيتها، وموقفها من التراث الشعري والنقدي، وتنطلق من مناهج حديثة تجعل التراث الشعري تحت المساءلــــــة، كمـــــا في كتـــــــاب(( في الشعر الجاهلي )) لطه حسين، وكذلك تضع النقد القديم تحت المساءلة وتبشر بنقد جديد كما في كتاب (( الخطيئة والتكفير )) للغذامي، وأخيرا كتاب سارة برنار (( قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا )) والذي يبشر وينظر لقصيدة النثر. في الاختيارات الشعرية سنجد الكاتب يختار (( الأرض اليباب )) للشاعر الأنجليزي أليوت، والتي تمثل ــ حسب الكاتب ــ صوت الحداثة وكتاب شذرات (( المياه كلها بلون الغرق )) للشاعر والفليسلوف الروماني سيوران، والذي ينطلق من موقف عدمي في رؤيته للعالم ؟ هذه الاختيارات من ــ الشاعر الزولي ــ لابد نتاج رؤية وموقف خاص به، ومع هذا نطرح السؤال : لماذا لم نجد شيئا من الشعر الحديث العربي مثلا ديوان (( لن )) للشاعر أنسي الحاج والذي يمثل ديوانه - في وقته - فتحا لقصيدة النثر، كما لا نجد ديوان (( التضاريس )) للثبيتي والذي يمثل نقلة تاريخيّة في الشعر السعودي الحديث ؟ على مستوى الرواية سنجد التعدد في القراءة بدءا من رواية الروسية (( الأم )) للروسي مكسيم غوركي وهي رواية تنحو للواقعية. أما في الرواية العربية فقــــد اختـار روايــــة ((زينب )) للمصري محمد حسين هيكل، ورواية (( أولاد حارتنا )) لنجيب محفوظ، ورواية (( الخبز الحافي )) للمغربي محمد شكري، وكلها أقرب للواقعية، وإن كانت رواية شكري أقرب للمذكرات، والسؤال لماذا غابت الرواية السعودية ومثالها (( مدن الملح )) لعبدالرحمن منيف والذي يعد من أهم كتاب الرواية التاريخيــــة علـــى مستــــوى العالم العربي ؟ أما عن الروايات العالمية الأخرى، والتي قرأها الكاتب، فكلها تعد من أهم الروايات العالمية، وجاءت القراءة لأن هذه الروايات تمثل الكتابة الجديدة كما رواية ماركيز (( مئة عام من العزلة )) أو رواية ((عوليس )) وعلاقة الإنسان بالزمن، وعلى المستوى الانساني والعنصرية وقضاياها جاءت رواية (( محبوبة )) لتوني موريســــــون، أو روايــــــة (( الغريب)) لكامو كل هذه الروايات وغيرها في الكتاب، لها رؤيتها وموقفها من العالم ؟ من المسرح تختار الكاتب عملا واحدا (( في انتظار غودو )) للمسرحي بيكيت، أعمال هذه المسرحي تعد من آخر نماذج الحداثة المسرحية، والتي تصور عبثية العالم وخواءه ؟ إذا جئت للكتب الأخرى مثل كتاب (( الإسلام وأصول الحكم )) للعالم الأزهري المصري علي عبدالرازق، فهذا العالم وكتابه غير معروف عند الكثير من القراء، نعم الكتاب ــ في زمنه، وحتى الآن ــ يمثل روح العلمانية، ويعد فاتحة لمفهوم الدولة الحديثة من خلال فصل الدين عن الدولة، لذلك الزولي ــ يبرهن من خلال قراءة هذا الكتاب ــ بإيمانه بالدولة العلمانية سواء صرح بذلك، أو جاء كلامه مضمراً ! كتاب فوكو (( تاريخ الجنون )) والذي يكشف فعل السلطة والمجتمع تجاه المجنون، حيث يكشف الكتاب الأليات التي تتخذ من قبل السلطة والمجتمع لنفي وقمع الفرد المختلف ــ مثاله المجنون ــ فالمفكر فوكو اشتغل على تحليل الخطاب وعلاقته بالسلطة والمجتمع ؟ مثل كتــاب فوكـــــو يأتي كتـــــاب (( الاستشراق )) للمفكر ادوارد سعيد والذي اشتغل على تحليل الخطاب الغربي الاستعماري، حيث يكشف ــ ادوارد سعيد ــ عن فرز ونفي المجتمعـــــات الموسومـة ((بالمتخلفة )) للسيطرة عليها من أجل نهب خيارتها ؟ كلا الكتابين ؟ كتاب فوكو (( تاريخ الجنون )) وكتاب سعيد (( الاستشراق )) ينطلقان من كشف أليات السلطة المعرفية للسيطرة على الفرد عند فوكو وعلى المجتمعات عند سعيد، وتقديم هذان الكتابان يمثلان نموذجا زاهيا لرؤية وموقف الزولي وقراءته لهذه الكتب ! الكتاب الفكري الأخير كتاب (( تكوين العقل العربي )) للمفكر المغربي محمد عابد الجابري، والذي يعدّه الزولي بمثابة (( إعادة اكتشاف للتراث )) لكن بعض القراء المغاربة، يعدون كتابات الجابري والاحتفاء بها من المشرق العربي بمثابة (( بضاعتنا ردت إلينا ))، ويرون فكر المفكر الجابري لا يمثل الحداثة إذا قورن بفكر المفكر المغربي عبدالله العروي، فهل انحاز الزولي للجابري التراثي على حساب العروي الحداثي، أم أنه لم يقرأ فكر العروي ؟! أخيرا : هل فتح الشاعر إبراهيم زولي بكتابه (( ما وراء الأغلفة )) رؤية وموقفا ــ يستفيد منه القارئ ــ من خلال قراءته للثلاثين كتابا وما تمثله في القرن العشرين ؟ أقول : نعم وبكل تقدير ؟ فكتاب الزولي بقدر ما أشركنا معه في القراءة بقدر ما انحاز عنا، وهذا الانحياز يمثل موقفا ورؤية يحتاج إليها كل قارئ وقارئة في زمن سيطرت عليه أدوات الاتصال والرقمنة ؟ ختاما : القراءة فعل حضاري، والمجتمعات المتحضرة هي التي تقرأ دوما، فالتاريخ يتكون من رواية، وكتابة، وقراءة ــ تفسير ــ وعليه القراءة، هي الفعل الأهم في حياة القراء، والشعوب بشكل عام !